تتزايد في الأوساط الإسرائيلية المؤشرات على تعمق مأزق الجيش في الجبهة اللبنانية، مع استمرار هجمات “حزب الله” بالطائرات المسيّرة والصواريخ، وعجز تل أبيب عن تحقيق تغيير ميداني حاسم رغم توسيع عملياتها العسكرية. وفي موازاة ذلك، تتصاعد الانتقادات داخل دولة الاحتلال لاعتماد قراراتها العسكرية على الموقف الأمريكي، وسط تقديرات تتحدث عن اقتراب تفاهم أمريكي ـ إيراني قد يفضي إلى وقف الحرب وإعادة رسم معادلات المواجهة في المنطقة.
وأقر محللون إسرائيليون بأن التصعيد العسكري الأخير في لبنان لم ينجح في وقف هجمات “حزب الله”، بل كشف عن تحديات متزايدة تواجهها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، لا سيما في ما يتعلق بالطائرات المسيّرة المفخخة التي باتت تشكل أحد أبرز مصادر الاستنزاف على الجبهة الشمالية.
وكانت قوات الاحتلال قد صعّدت خلال الأيام الأخيرة عملياتها العسكرية في جنوب لبنان، عبر توسيع التوغل البري وشن هجمات على ما تصفه بـ”البنى التحتية” التابعة لـ”حزب الله” في منطقة البقاع ومناطق أخرى. كما ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن الجيش عرض خططا لتوسيع العمليات بهدف “كسر المعادلة” التي يفرضها الحزب.
وقال المحلل العسكري في صحيفة هآرتس، عاموش هارئيل، إن الاتفاق المتوقع بين الولايات المتحدة وإيران زاد من حدة التوتر على الساحة اللبنانية، مع سعي مختلف الأطراف إلى تحسين مواقعها قبل أي تسوية محتملة، واعتبر هارئيل أن جيش الاحتلال “في مأزق” بعد تقدمه لمسافة تقارب 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، مشيرا إلى أن الطائرات المسيّرة المفخخة التي يطلقها “حزب الله” تواصل فرض حالة استنزاف وتعطيل للحياة اليومية في شمال إسرائيل.
وأضاف أن إسرائيل لا تمتلك “حلا حقيقيا” لمواجهة هذا النوع من المسيّرات، رغم أن الولايات المتحدة خففت، بحسب قوله، بعض القيود المفروضة على العمليات الإسرائيلية في لبنان، مع استمرار رفضها السماح باستهداف العاصمة اللبنانية بيروت، باستثناء عمليات اغتيال محتملة لقادة بارزين في الحزب.
ورأى أن السماح الأمريكي لإسرائيل بالتقدم إلى ما وراء “الخط الأصفر” في جنوب لبنان لا يحمل قيمة عسكرية كبيرة، معتبرا أن الخطوة تهدف أساسا إلى إظهار قدرة حكومة الاحتلال على التحكم بمجريات الحرب، رغم استمرار الخسائر والتحديات الميدانية.
ارتهان للموقف الأمريكي
من جهته، قال المعلق السياسي في صحيفة معاريف، بن كسبيت، إن “حزب الله” يواصل فرض إيقاع المواجهة ويتحرك بحرية، بينما تتحمل إسرائيل “ثمنا باهظا” نتيجة الهجمات المتواصلة، وأضاف أن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير يواجه صعوبة في الحصول على موافقات لتوسيع محدود للعمليات البرية، معتبرا أن هذه الخطوات لن تحقق نتائج ملموسة.
وانتقد كسبيت اعتماد إسرائيل على القرار الأمريكي، قائلا إن “الأمن القومي الإسرائيلي” بات مرهونا بالموقف الصادر من واشنطن، معتبرا أن إسرائيل لم تشهد سابقا وضعا تضطر فيه إلى انتظار الموافقة الأمريكية لتنفيذ عمليات عسكرية خلال الحرب.
بدوره، قال المعلق في صحيفة يديعوت أحرونوت، أمير إتينغر، إن “حزب الله” يواصل إطلاق المسيّرات المفخخة، في وقت تتواصل فيه صفارات الإنذار على طول خط المواجهة، بعد مقتل ستة جنود إسرائيليين خلال الأسابيع الثلاثة الماضية.
وأشار إلى أن جيش الاحتلال لم ينفذ أي هجوم على بيروت منذ اغتيال القيادي في “قوة الرضوان” مالك بلوط مطلع أيار/ مايو الماضي، موضحا أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير جيشه يسرائيل كاتس أقرا خلال اجتماع للمجلس الوزاري المصغر بوجود “فيتو أمريكي” يمنع استهداف العاصمة اللبنانية، وأضاف أن نقاشات المجلس ركزت على تنامي خطر المسيّرات التابعة لـ”حزب الله”، وسط مطالبات من وزراء إسرائيليين بتوسيع الحرب وشن هجمات مباشرة على بيروت.
إحباط داخل المؤسسة العسكرية
وفي السياق نفسه، تحدثت هيئة البث الإسرائيلية عن حالة “إحباط” متزايدة داخل الجيش نتيجة ما وصفته بالقيود الأمريكية المفروضة على العمليات العسكرية، ونقلت عن مسؤول عسكري إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن ما يسمى “السيادة الإسرائيلية تنتهك يوميا”، مضيفا أن الجيش مقيد بالتفاهمات القائمة مع الولايات المتحدة والحكومة اللبنانية، وأن الوضع الحالي بات يصعب القبول باستمراره دون قدرة على الرد بالشكل الذي تريده المؤسسة العسكرية.
وتأتي هذه التصريحات رغم استمرار إسرائيل في خرق اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في 17 نيسان/ أبريل الماضي والممدد حتى مطلع تموز/ يوليو المقبل، ومنذ الثاني من آذار/ مارس الماضي، تواصل إسرائيل عدوانها الواسع على لبنان، ما أدى إلى استشهاد 3213 شخصا وإصابة 9737 آخرين، فضلا عن نزوح أكثر من مليون شخص، وفقا لبيانات رسمية لبنانية.
وتواصل قوات الاحتلال، احتلال مناطق في جنوب لبنان، بعضها منذ عقود وأخرى منذ الحرب السابقة بين عامي 2023 و2024، فيما تشير التقديرات إلى أن قواتها توغلت خلال العدوان الحالي لمسافة تقارب 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية الجنوبية.
