نقاط على الحروف
ناصر قنديل
- عند التدقيق في المقارنة بين ما تعتبره واشنطن إنجازاً تفاوضياً وما انتهى إليه الاتفاق فعلياً، يصعب تجاهل الفارق بين الأهداف التي أعلنتها الإدارة الأميركية قبل الحرب وبين النتائج التي يجري تثبيتها اليوم. حيث أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يضع في صدارة إنجازاته الحصول على التزام إيران بعدم امتلاك سلاح نووي، لكن هذا الالتزام لم يولد مع الحرب ولا مع الاتفاق الحالي، بل كان جوهر اتفاق عام 2015، كما أنه يشكل جزءاً من الموقف الإيراني المعلن منذ سنوات. كذلك يتحدث ترامب عن معالجة ملف اليورانيوم عالي التخصيب، بينما تشير الوقائع إلى أن هذا الملف لم يكن قائماً عند توقيع اتفاق 2015، بل نشأ نتيجة مباشرة لانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 وإعادة فرض العقوبات، ثم عجز الدول الأوروبية عن الوفاء بالتزاماتها الاقتصادية، ما دفع إيران اعتباراً من عام 2020 إلى رفع مستويات التخصيب وتقليص التزاماتها النووية تدريجياً.
- وينطبق الأمر نفسه على ملف مضيق هرمز. لأن واشنطن تعرض ضمان فتح المضيق بوصفه إنجازاً سياسياً واستراتيجياً، بينما تؤكد الوقائع أن المضيق لم يكن مغلقاً قبل الحرب، وأن أزمة الملاحة فيه نشأت نتيجة المواجهة العسكرية وما رافقها من تهديدات متبادلة. ولذلك فإن ما تحقق فعلياً هو العودة إلى وضع كان قائماً قبل الحرب، لكن مع فارق أساسي يتمثل في أن مسؤولاً في البيت الأبيض أعلن أن إيران ستعمل مع سلطنة عمان على إنشاء اتفاقية طويلة الأجل لإدارة مضيق هرمز وضمان أمن الملاحة فيه. وهذه ليست مجرد ترتيبات تقنية للملاحة، بل إدراج رسمي لإيران في منظومة إدارة الممر البحري الذي يشكل الشريان الرئيسي لتجارة الطاقة العالمية، بعدما كان الخطاب الأميركي التقليدي يقوم على إدارة أمن المضيق عبر التحالفات العسكرية والأساطيل الغربية.
- في المقابل، تبدو المكاسب الإيرانية أكثر وضوحاً عند مقارنتها بما كان مطروحاً قبل الحرب. حيث أن إيران تحصل على برنامج لتحرير أصولها المجمدة التي تقدرها الصحافة الأميركية بأكثر من مئة مليار دولار، وعلى مسار رفع العقوبات، مع رفع فوري للقيود المفروضة على صادرات النفط والموانئ والتعاملات المالية المرتبطة بها. وهذه الملفات كانت تشكل جوهر المطالب الإيرانية في جولات التفاوض السابقة في مسقط وجنيف، وقد رفضتها واشنطن آنذاك ربطا بالحصول على مكاسب في ملفات رفضت إيران تقديم تنازلات فيها، خصوصا البرنامج الصاروخي وعلاقتها بقوى المقاومة.
- وهنا ما هو الأكثر دلالة وما يتصل بالملفات التي أعلنت واشنطن وتل أبيب أنها تشكل جوهر المواجهة مع إيران. فقبل الحرب تحدث ترامب ونتنياهو بصورة متكررة عن ضرورة التوصل إلى اتفاق «أطول وأقوى» من اتفاق 2015، يتناول البرنامج الصاروخي الإيراني وعلاقات إيران بقوى المقاومة في المنطقة. كما جرى تقديم الحرب على أنها وسيلة لفرض معادلات جديدة تتجاوز الملف النووي نحو إعادة رسم التوازنات الإقليمية. لكن الاتفاق الذي يجري تثبيته لا يتضمن قيوداً على البرنامج الصاروخي الإيراني، ولا يتناول علاقة إيران وحلفائها الإقليميين، ولا يفرض آليات رقابة أو التزامات جديدة في هذين الملفين.
- وإذا أضيف إلى ذلك أن البيئة السياسية التي رافقت الاتفاق أفضت إلى إدراج وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد لبنان والسير في معالجة ملفات الاحتلال والاعتداءات ضمن مسار التهدئة الإقليمية، يصبح من الصعب تجاهل أن لبنان وهرمز دخلا إلى طاولة التفاوض كنتيجة للحرب، رغم أنهما لم يكونا جزءاً من جدول الأعمال الأصلي للمفاوضات النووية بعدما أخرج البرنامج الصاروخي من ملفات التفاوض بعدما كان دائما مطلبا أمريكيا اسرائيليا.
- ومن هنا تبدو الحصيلة النهائية مختلفة عن الرواية الأميركية الرسمية. لأن واشنطن حصلت على عودة إيرانية إلى التزامات كانت قائمة أساساً قبل انسحابها من اتفاق 2015، وعلى معالجة نتائج قرارات أميركية اتخذت بعد ذلك الانسحاب. أما إيران فقد خرجت من الحرب والتفاوض معاً بإضافة ملفات جديدة إلى معادلة التفاوض، أبرزها الاعتراف بدورها في ترتيبات أمن هرمز، وربط الاستقرار الإقليمي وخصوصاً في لبنان بمسار التفاهم مع واشنطن، فضلاً عن استعادة مسار رفع العقوبات وتحرير الأصول المجمدة دون المساس ببرنامجها الصاروخي وعلاقتها بقوى المقاومة. ولذلك فإن المقارنة بين ما كان مطروحاً على طاولة التفاوض قبل الحرب وما أصبح مطروحاً بعدها توحي بأن الحرب ضيقت السقف التفاوضي الأميركي وبالمقابل وسعت السقف التفاوضي الإيراني وأدخلت إليه ملفات لم تكن مطروحة أصلاً قبل اندلاع المواجهة، وهذا هو معيار من ربح ومن خسر في الحرب بالوقائع بعيدا عن المزاعم
