لبنان في التفاهم الأمريكي – الإيراني.. الإعلام الإسرائيلي بين الصدمة والارتباك

شكّل الاتفاق الأمريكي – الإيراني وما تضمنه من تفاهمات مرتبطة بوقف إطلاق النار على مختلف الجبهات، محطة مفصلية في قراءة المشهد الإقليمي، وخصوصاً في ما يتعلق بالساحة اللبنانية. وقد عكست التغطية الإعلامية الإسرائيلية لهذا التطور حجم التحول الذي أصاب المزاج السياسي والأمني داخل الكيان، حيث بدت وسائل الإعلام العبرية في حالة من الصدمة والإرباك أمام واقع جديد فرضته التوازنات الميدانية والتفاهمات الدولية.

فبعد أشهر طويلة من العمليات العسكرية المكثفة على الجبهة اللبنانية، وجدت “إسرائيل” نفسها أمام مشهد مختلف تماماً عما كانت تسعى إليه. وبينما استمرت بعض قواتها في التمركز داخل مناطق من الجنوب اللبناني، برزت مؤشرات واضحة على تراجع هامش الحركة السياسية والعسكرية الإسرائيلية نتيجة ارتباط الملف اللبناني بالتفاهم الأمريكي – الإيراني الأوسع. وقد انعكس ذلك في الخطاب الإعلامي الإسرائيلي الذي اتسم بدرجات متفاوتة من القلق والغضب والتشاؤم.

ورغم اختلاف التوجهات السياسية للقنوات العبرية الرئيسية، إلا أنها التقت عند توصيف حالة عامة من فقدان اليقين وتراجع الثقة بالمستقبل. فالقناة الثانية عشرة قدمت المشهد من زاوية تركز على ضبابية المرحلة المقبلة، معتبرة أن “إسرائيل” تواجه أزمة استراتيجية تتجلى في التناقض بين عودة الحياة تدريجياً إلى مناطق واسعة من جنوب لبنان وبين استمرار حالة القلق لدى سكان المستوطنات الشمالية. كما سلطت الضوء على الارتباك الذي تعيشه المؤسسة العسكرية في ظل غموض القرارات المتعلقة بمستقبل الانتشار العسكري وخطوط الانسحاب المحتملة.

أما القناة الرابعة عشرة، ذات التوجه اليميني، فقد اختارت خطاباً أكثر حدة، حيث ركزت على ما اعتبرته “إنجازات ميدانية” حققها الجيش الإسرائيلي في الجنوب اللبناني، لكنها في الوقت نفسه عبّرت عن غضب واضح تجاه الإدارة الأمريكية، وخصوصاً الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، متهمة إياه بالتخلي عن المصالح الإسرائيلية لصالح تفاهمات تخدم أولويات واشنطن الاستراتيجية والاقتصادية. كما روجت القناة لأفكار متشددة تدعو إلى التمسك بالمواقع التي سيطرت عليها القوات الإسرائيلية ورفض أي انسحاب مستقبلي.

في المقابل، ذهبت القناة الثالثة عشرة إلى توصيف أكثر تشاؤماً، إذ اعتبرت أن ما جرى يمثل فشلاً سياسياً واستراتيجياً لإسرائيل، وأن الاتفاق القائم لم يحقق الأهداف التي وضعتها القيادة الإسرائيلية للحرب. وركزت تغطيتها على ما وصفته بحالة “الإذلال السياسي” التي تعرضت لها تل أبيب نتيجة الضغوط الأمريكية، وعلى استمرار التهديدات الأمنية المرتبطة بقدرات حزب الله العسكرية رغم كل العمليات التي نفذها الجيش الإسرائيلي خلال الأشهر الماضية.

وعلى مستوى الجبهة الداخلية، كشفت التغطيات الإعلامية العبرية عن حالة واسعة من القلق والخوف بين سكان المستوطنات الشمالية. فقد أظهرت التقارير شعوراً متنامياً لدى هؤلاء بأنهم تُركوا لمواجهة مصير مجهول، خصوصاً مع استمرار المخاوف من عودة التوترات الأمنية في أي لحظة. كما برزت مقارنات متكررة مع الأوضاع التي سبقت أحداث السابع من أكتوبر، حيث يخشى كثيرون من تحول التهديدات الأمنية إلى واقع دائم يفرض نفسه على الحياة اليومية في الشمال.

أما داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، فقد بدت حالة الارتباك أكثر وضوحاً. فالتقارير تحدثت عن قوات تتمركز داخل الأراضي اللبنانية لكنها تفتقر إلى رؤية واضحة بشأن المرحلة المقبلة. كما أشارت إلى وجود قيود فرضتها التفاهمات السياسية الجديدة على حرية الحركة العسكرية، الأمر الذي خلق شعوراً لدى العديد من الضباط والجنود بأنهم عالقون في وضع ميداني جامد لا يسمح بتحقيق أهداف إضافية ولا يتيح في الوقت نفسه حسم المعركة بصورة نهائية.

سياسياً، عكست التغطية الإعلامية حجم الانقسام الداخلي الإسرائيلي بشأن الاتفاق. فقد برزت انتقادات واسعة لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو من قبل شخصيات سياسية وعسكرية معارضة اعتبرت أن الحكومة أخفقت في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب. كما تصاعدت الاتهامات بأن “إسرائيل” وجدت نفسها مضطرة للتكيف مع شروط فرضتها التفاهمات الدولية، الأمر الذي اعتبره البعض تراجعاً عن الشعارات التي رفعتها القيادة السياسية والعسكرية خلال الأشهر الماضية.

وفي المقابل، رصد الإعلام الإسرائيلي ما وصفه بالأجواء الاحتفالية في لبنان وإيران عقب الإعلان عن التفاهمات الجديدة. فقد ركزت التقارير على مشاهد عودة السكان إلى قرى الجنوب اللبناني وعلى الخطاب الذي ساد في أوساط محور المقاومة، والذي اعتبر أن صمود الجبهات المختلفة وخصوصاً الجبهة اللبنانية أسهم في فرض معادلات جديدة وأجبر الولايات المتحدة على أخذ المصالح الإيرانية وحلفائها بعين الاعتبار خلال المفاوضات.

وبصورة عامة، تكشف القراءة الشاملة للتغطية الإعلامية العبرية أن الاتفاق الأمريكي – الإيراني لم يُنظر إليه داخل “إسرائيل” باعتباره مجرد تفاهم دبلوماسي عابر، بل بوصفه حدثاً استراتيجياً يحمل تداعيات مباشرة على مستقبل الصراع في المنطقة. وبينما حاولت بعض المنابر الإعلامية التخفيف من حجم التأثيرات السلبية لهذا الاتفاق، فإن القاسم المشترك بينها جميعاً كان الاعتراف بوجود حالة غير مسبوقة من القلق والتردد بشأن المرحلة المقبلة، في مقابل شعور متزايد لدى الطرف المقابل بأن نتائج المواجهة السياسية والعسكرية أسهمت في تعزيز موقعه الإقليمي وفرض وقائع جديدة على الأرض.

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading