الاستدانة الداخلية والخارجية السبب الأول لاندلاع الثورات الشعبية عبر التاريخ – 2

بلاد ما بين النهرين، 2400 قبل الميلاد

بحلول سنة 2400 قبل الميلاد، كان الإقراض بالفائدة قد أصبح أمرًا شائعًا في بلاد ما بين النهرين. وكان الموظفون والتجار يقرضون الفلاحين، فإذا عجز أحدهم عن السداد بدأت رحلة فقدان ممتلكاته شيئًا فشيئًا. فيُؤخذ منه أولًا ما يملك من حبوب أو ماشية أو أثاث، ثم تمتد يد الدائن إلى الأرض والبيت، فإذا لم يكفِ ذلك انتقل الأمر إلى أفراد الأسرة أنفسهم. فيُسترق الخدم، ثم الأبناء والزوجات، بل والمدين ذاته، ويظلون عبيدًا للدَّين حتى يُوفَّى ما عليهم.

ولم تكن المشكلة مقصورة على ما يصيب الأفراد، بل كانت تهدد المجتمع كله. فقد كان موسم حصاد سيئ واحد كافيًا لدفع أعداد كبيرة من الفلاحين إلى الوقوع في براثن الديون. وما إن تتراكم الديون حتى يترك الناس أراضيهم هربًا من المصادرة، فتضعف الزراعة ويختل استقرار المجتمع.

ولهذا أدرك ملوك سومر وبابل أن ترك الأمور تسير على هذا النحو قد يؤدي إلى انهيار النظام الاجتماعي نفسه. فكانوا، بين الحين والآخر، يعلنون عفوًا عامًا عن الديون. وكانت هذه الإعلانات تقضي بإلغاء ديون الاستهلاك، وإعادة الأراضي إلى أصحابها، وإطلاق سراح عبيد الدَّين ليعودوا إلى أسرهم. ومع مرور الوقت أصبح هذا الإجراء جزءًا من التقاليد السياسية المصاحبة لتولي الملك الحكم. فالحاكم الجديد كان يرى نفسه مؤسسًا لعهد جديد، ومن ثم يحق له أن يبدأ الصفحة من جديد.

وكان السومريون يطلقون على هذه المراسيم اسم «إعلانات الحرية». واللافت للنظر أن كلمة «أمارجي»، وهي أقدم كلمة معروفة استُعملت بمعنى الحرية، كانت تعني حرفيًا «العودة إلى الأم». ولم يكن هذا المعنى مجازيًا فحسب، لأن كثيرًا من عبيد الدَّين كانوا يعودون بالفعل إلى بيوتهم وأسرهم بعد صدور تلك المراسيم.

الأرض الأسطورية للمقايضة

إذا رجعنا إلى ما يقوله الاقتصاديون عن أصل النقود، وجدنا أنهم يبدأون عادة بقصة مألوفة: كان الناس يتبادلون السلع بالمقايضة، ثم اكتشفوا عيوب المقايضة، فاخترعوا النقود، وبعد ذلك ظهرت المصارف والائتمان. ووفق هذه الرواية، يكون الدَّين مرحلة متأخرة جاءت بعد ظهور النقود، لا مرحلة سبقتها.

ولهذا إذا طالعت كتبًا تتحدث عن تاريخ النقود في الصين أو الهند أو أوروبا، وجدت أن معظم اهتمامها ينصرف إلى تاريخ العملات المعدنية. أما الائتمان والديون فلا تحظى إلا بإشارات عابرة، إن ذُكرت أصلًا. لكن علماء الأنثروبولوجيا ينبهون منذ أكثر من قرن إلى أن هذه الصورة لا تنسجم مع ما نعرفه عن المجتمعات القديمة. فأنظمة الائتمان، وحسابات الديون، ودفاتر الحسابات، كلها أقدم من النقود المعدنية نفسها، بل إنها تعود إلى بدايات الحضارة.

والواقع أن تاريخ المال لا يبدو كما تصوره كتب الاقتصاد التقليدية. فما نراه عبر التاريخ هو تعاقب فترات يهيمن فيها استعمال الذهب والفضة والعملات المعدنية، ثم فترات أخرى يصبح المال فيها أقرب إلى وحدة حساب أو التزام مكتوب منه إلى قطعة معدنية يحملها الناس في جيوبهم. أما الحياة الاقتصادية اليومية فكانت، في معظم الأحوال، تقوم على شبكة واسعة من الديون والالتزامات المتبادلة، لا على تبادل العملات في كل معاملة.

وقد يقال إن السبب في ذلك يعود إلى طبيعة الأدلة التاريخية نفسها. فالعملات المعدنية تبقى آلاف السنين، ويعثر عليها علماء الآثار بسهولة، بينما لا تترك الديون وسجلات الائتمان آثارًا مماثلة. وهذا صحيح إلى حد ما، لكنه لا يفسر المسألة كلها.

فالسبب الأعمق أن وجود الدَّين يضع الاقتصاديين أمام مشكلة فكرية. فإذا كانت العلاقات الاقتصادية تقوم على الديون والالتزامات المتبادلة، فإن من الصعب النظر إليها باعتبارها معاملات مادية خالصة لا علاقة لها بالروابط الاجتماعية والأخلاقية. فليس إقراض قريبك كإقراض شخص لا تعرفه، وليس من السهل إخضاع الحالتين للحساب نفسه.

ولهذا فضّل كثير من الاقتصاديين أن يبدأوا قصة النقود من عالم افتراضي خالٍ من الديون. ففي هذا العالم المتخيل كان الناس يتبادلون السلع بالمقايضة، ثم اكتشفوا أن المقايضة مرهقة وغير عملية، فابتكروا النقود، وبعد ذلك ظهرت البنوك والائتمان. وهكذا تحولت هذه القصة إلى حقيقة تكاد تُدرَّس على أنها أمر لا يحتاج إلى برهان.

غير أن ما كشفته السجلات المصرية والرافدية القديمة يروي قصة مختلفة تمامًا. فهذه السجلات تشير إلى أن أنظمة الائتمان، أو ما يمكن أن نسميه اليوم نقودًا حسابية أو افتراضية، كانت موجودة قبل سك النقود بآلاف السنين. ولم تظهر النقود نتيجة المقايضة، بل نشأت في الأساس لأغراض إدارية تتعلق بحساب الموارد والضرائب والالتزامات المختلفة. ثم انتشرت بعد ذلك على نطاق أوسع، من غير أن تلغي أنظمة الائتمان التي كانت قائمة من قبل.

أما المقايضة نفسها، فيبدو أنها لم تكن الأصل الذي انطلقت منه الحياة الاقتصادية، بل كانت تظهر غالبًا عندما تندر النقود في مجتمع اعتاد التعامل بها. أي إنها كانت استثناءً يفرضه ظرف معين، لا القاعدة التي بُني عليها الاقتصاد.

ومع ذلك ما زالت معظم كتب الاقتصاد التمهيدية تبدأ بالقصة نفسها. فهي تطلب من القارئ أن يتخيل مجتمعًا يعتمد على المقايضة وحدها، ثم تسأله كيف يمكن أن يبادل ما لديه بما يحتاج إليه. فتارة يُطلب إليه أن يتخيل شخصًا يملك دجاجًا ويريد زهورًا، وتارة فلاحًا يريد أن يتعامل مع الحداد والخياط والطبيب والبقال في قرية صغيرة. ومن هذه الأمثلة يستنتج الكاتب أن النقود كانت حلًا طبيعيًا لمشكلة المقايضة.

وثمة سبب واضح لتمسك الاقتصاديين بهذه الرواية. فهي ليست مجرد قصة عن أصل النقود، بل هي الأساس الذي بُني عليه جزء كبير من الفكر الاقتصادي الحديث. فقد صاغ آدم سميث هذه الفكرة في كتابه الشهير سنة 1776، وجعل منها نقطة البداية لفهم الاقتصاد كله.

وكان سميث حريصًا على إثبات أن النقود والأسواق والملكية لم تنشأ بقرار من الحكومات، بل سبقت الحكومات نفسها. ومن ثم فإن دور الدولة، في رأيه، ينبغي أن يقتصر على حماية العملة وتنظيمها، لا على إنشاء النظام الاقتصادي أو توجيهه. وبهذا أصبح الاقتصاد، في نظره، مجالًا مستقلًا عن السياسة والأخلاق، تحكمه قوانين خاصة به. فالإنسان، كما تصور سميث، يميل بطبيعته إلى المبادلة والمقايضة، والنقود ليست إلا أداة تجعل هذه العملية أسهل وأكثر كفاءة.

ولهذا ظل الاقتصاديون قرونًا طويلة يبحثون عن المجتمع الذي قامت حياته فعلًا على المقايضة الخالصة. وكان سميث قد افترض وجود مثل هذا المجتمع في أمريكا الشمالية، مستندًا إلى ما كان متاحًا في عصره من معلومات محدودة عن السكان الأصليين.

لكن الدراسات اللاحقة لم تؤكد هذا التصور. فقد وصف لويس هنري مورغان في القرن التاسع عشر حياة أمم الإيروكوا، وأوضح أن السلع كانت تُجمع في مخازن مشتركة، ثم تتولى مجالس النساء توزيعها على أفراد الجماعة بحسب الحاجة. ولم يكن النظام قائمًا على المقايضة المباشرة بين الأفراد كما افترض سميث.

ومع ذلك استمر كثير من الاقتصاديين في تكرار الأمثلة القديمة نفسها. بل إن المبشرين والمستكشفين والإداريين الاستعماريين الذين جابوا أنحاء العالم خلال القرن التاسع عشر كانوا يتوقعون العثور على ذلك المجتمع القائم على المقايضة الخالصة، لكنهم لم يعثروا عليه. وكل ما وجدوه كان تنوعًا هائلًا في النظم الاقتصادية وأساليب تبادل المنافع بين الناس.

وحتى اليوم لا يعرف الباحثون مجتمعًا كانت معاملاته اليومية بين الجيران تقوم على أساس المساومة المستمرة من نوع: أعطيك عشرين دجاجة مقابل بقرة. فالحياة الاقتصادية الواقعية كانت، في أغلب الأحيان، أكثر تعقيدًا وأكثر إنسانية من هذه الصورة المبسطة التي اعتادت كتب الاقتصاد أن تبدأ بها حكايتها. يتبع

قراءات كانوية

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading