اتعليقا على التطورات الأخيرة فى المنطقة
أكدنا من قبل أن الحلف الصهيونى الأمريكى لن يستسلم بسهولة ولن يعترف بالهزيمة وسيحاول التملص والتلاعب أثناء تنفيذ بنود اتفاق التفاهم لاسلام أباد .
ومن أهم أسباب ذلك أن الطرفين : ترامب ونتنياهو يواجهان معا تهم الهزيمة والخزلان والوعود الكاذبة والانبطاح أمام العدو ، وهذه التهم يوجهها المتطرفون فى اسرائيل وتلقى قبولا من العامة وتظهر واضحة فى الاعلام الاسرائيلى . أما ترامب فهو يواجه نفس التهم والتوبيخ من كل الأطراف ولكن أغلبية الشعب بنسبة 70 إلى 80 % مع وقف الحرب ، ولكن المهاجمين من الطرف اليمينى الصهيونى المسيحى ينتقدون بشدة ومنها عناصر داخل إدارته وأكثر المقربين منه ، بل بلغ الأمر بالسيدة مريم اليهودية الصهيونية التى تبرعت له بأكبر تبرع فى التاريخ الأمريكى والعالمى : 250 مليون دولار فى الانتخابات اتهمته بالخيانة .
والسبب الثانى لهذه الهجمة الارتدادية الذى لا يقل أهمية أن ترامب يعلم يقينا أنه استسلم وهزم وأنه وقع على اتفاق اسلام أباد – جينيف صاغرا وأنه يتمنى وينتوى التملص من أكبر عدد من بنوده لأنها كلها لصالح المنتصر إيران ، وكان لابد أن يوقع لأن الاقتصاد الأمريكى والعالمى كان على وشك السقوط المخيف خلال الأيام المتبقية من يونيو حيث سينفد ما تبقى من الاحتياطى البترولى وينفجر سعر البرميل إلى 200 و300 دولار . وبالتالى فهو ليس لديه أى مانع ليحاول التمنع فى تنفيذ هذا البند أو ذاك من الاتفاق . وعلى رأس ذلك لبنان ، لأن الانسحاب الاسرائيلى من لبنان يعنى الهزيمة المبرمة لنتنياهو ، ويمكن لترامب أن يضحى بنتنياهو لصالح حاكم اسرائيلى آخر ولكن المشكلة الأكبر أن الكيان ككل سيكون قد هزم وهو الحليف الأساسى لأمريكا فى المنطقة . و لذلك لابد لترامب أن يخفف من حجم الكارثة التى ألمت باسرائيل بتوقيع اتفاق اسلام أباد .
لكل هذه الاعتبارات اتفق الحلف الصهيونى الأمريكى على هجمة مرتدة على حلف إيران و المقاومة فى محاولة يائسة من وجهة نظرى لتعديل الموازين مرة أخرى لصالحهم أو تحسين شروط الهزيمة . فقاموا بما يلى :
أولا : كانت جبهة لبنان هى الأساسية فلبنان أقوى ضلع فى محور المقاومة بعد إيران بسبب حجم التسليح والعدة والعدد والعتاد وأيضا من حيث القرب الجغرافى من الكيان . وكان وقف إطلاق النار والانسحاب من لبنان إنتصارا بائنا لإيران ومحور المقاومة . حقا كان الجيش الاسرائيلى متورطا فى مستنقع جنوب لبنان ويستنزف كل يوم بخسائر غير مسبوقة ، ولكنه كان يعوض ذلك بالتوحش على المدنيين حتى وصل فى اليومين الأخيرين إلى قتل 150 لبنانيا. وكان نتنياهو يؤمل كالعادة على إثارة الشعب اللبنانى ضد المقاومة ليطالبها بالاستسلام ، وأن يحدث ذلك قبل أن يصرخ أفراد وقيادات الجيش الاسرائيلى والمستوطنيين مطالبين بالانسحاب .
وعلى هذا الأساس واصلت أمريكا بمنتهى الازدواجبة والاستهبال مفاوضات مع الحكومة العميلة اللبنانية ومع اسرائيل فى واشنطن للتفلت من اتفاق اسلام أباد ، على طريقة أمريكا فى الحنث بالقسم والاخلال بالمواثيق والعقود . وتوصلوا يوم 26 يونيو إلى ما يسمى الاتفاق الاطارى وهو اتفاق تطبيعى كامل مماثل لاتفاق 17 أيار 1983 الذى أسقطه الشعب اللبنانى فورا فى حينه . وهو يبيح استمرار وجود القوات الاسرائيلية على الأراضى اللبنانية ، وأن يعمل الجيش اللبنانى مع الجيش الاسرائيلى معا لاستئصال المقاومة اللبنانية فى كل لبنان . وهذا الاتفاق لن يمر ولا تملك الحكومة اللبنانية العميلة ولا الرئيس عون العميل أى قدرة على تنفيذه ، ولأن الجيش اللبنانى لن يقبل باستخدام القوة ضد المقاومة اللبنانية ، وإذا فرض عليه ذلك سينقسم الجيش اللبنانى وينضم نصفه على الأقل للمقاومة كما حدث من قبل ، وينفرط عقد الجيش اللبنانى . ولن يتم القضاء على المقاومة التى يؤيدها من 60 إلى 70 % من الشعب وسيسقط الرئيس الخائن وحكومته العميلة .
ثانيا : كانت المحاولة الثانية للتفلت من اتفاق اسلام أباد والذى نص على أن يكون فتح مضيق هرمز بالترتيب مع إيران لمدة 60 يوما و حتى التوصل لاتفاق شامل لتنظيم المرور مع دول الجوار الخليجى .
وتعتبر أمريكا أن أكبر ضربتين فى هذا الاتفاق : مسألة وقف الحرب فى لبنان وكل الجبهات حيث من المحتم أن يأتى دور غزة .والضربة الثانية هى السيطرة التامة لإيران على مضيق هرمز الذى يهيمن بدوره على مجمل الاقتصاد العالمى ، ويعد هذا أبرز عنوان لهزيمة أمريكا بصورة مبرمة . لأن مضيق هرمز كان مفتوحا قبل الحرب ، وكان عمليا تحت السيطرة الأمريكية والتحرك الحر لقطعاتها البحرية العسكرية والتجارية على السواء .
قامت أمريكا بالضغط على سلطنة عمان التى لا تستطيع مقاومة التهديد الأمريكى .. رغم موقفها المشرف ، فحاولت أمريكا أن تفتح خطا ملاحيا موازيا فى هرمز من خلال المياه الاقليمية العمانية . تدخلت إيران ومنعت 4 سفن تجارية من المرور وأصابت إحداها بمسيرة . فردت أمريكا بقصف أهداف عسكرية على الأراضى الايرانية ، فقامت إيران بالرد وقصفت أهدافا بحرية أمريكية .
وظلت إيران مسيطرة على مضيق هرمز ولكنها لم تغلقه مرة أخرى .
ثالثا : كانت زيارة روبيو وزير خارجية أمريكا للبحرين والاجتماع مع مجلس التعاون الخليجى وما صدر عن الاجتماع من بيان مثل عودة للوراء والحديث المتخلف القديم عن العداء لإيران دون أى حديث عن الانسحاب من لبنان وغزة ، وكأن البيان يقول لقد عادت العلاقات بين الخليج وأمريكا كما كانت قبل الحرب . وهذا أمر غير حقيقى وغير واقعى مهما كانت رغبات الطرفين فهما يعلمان أن إيران لن تسمح بعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه .
رابعا : استمرار العودة للتصعيد الاسرائيلى العسكرى فى غزة وكل يوم يسقط بين 4 و10 شهداء غير الجرحى وتدمير المدمر . وكأن هذا القصف المتواصل مع خروقات القصف فى لبنان تحسن من وضع اسرائيل وتبعد عنها صورة المنهزم . وهذا يعنى عدم الالتزام بوقف الحرب على كل الجبهات كما ورد فى اتفاق اسلام أباد .
وهى محاولة يائسة لتحويل اتفاق اسلام أباد إلى شىء شبيه باتفاق شرم الشيخ ، مجرد حبر على ورق ، وأمريكا واسرائيل يتصرفان كما يريدان . وهذا لن يحدث لأن إيران ليست هذه الدول الثمانية التى حضرت أو وقعت على اتفاق السلام فى شرم الشيخ .
وخلال أيام قليلة إذا لم تتوقف الخروقات الاسرائيلية فى لبنان فإن إيران والمقاومة اللبنانية يستعدان للقيام بهجوم منسق شديد على شمال الكيان ، وإذا تدخلت أمريكا فإن مضيق هرمز سيظل معرضا للاغلاق فى أى توقيت تحدده إيران ، وكذلك سيكون تدخل اليمن والعراق واردا . بالاضافة للمزيد من ضرب القواعد الأمريكية والقطع البحرية الأمريكية فى المنطقة
الهجمة المرتدة لن تغير نتيجة المبارة التى أعلنت بالفعل .
مجدى أحمد حسين
