الصورة للتروللى الذى اختفى الآن من شوارع القاهرة
بدأ [فهمي] مرحلة جديدة من زوايا عديدة؛ فقد أصبح هناك زي رسمي موحد ، جاكت كحلي وبنطلون رمادي وقميص أبيض. واعتاد ركوب التروللي حيث يدفع قرش صاغ كامل في الدرجة الثانية، وغالباً كان يصل للمدرسة فى العجوزة ويعود منهامن الوضع واقفا.
المدرسة كانت جميلة ومتسعة وملاعبها كبيرة ومستوى الأساتذة في التعليم جيد جداً، ولا يوجد ضزب!! وهي مطلة على شارع نوال حيث كان يتعين عليه أن يسير على الأقدام من الكورنيش عند محطة شارع نوال للتروللي إلى آخر الشارع، وهو طريق ليس طويلاً جداً. وتصادق مع زملاء أهل الروضة من خلال هذا التروللي. وطبعاً المدرسة لم يعد بها بنات، وهذا أفضل نظام جيد في التعليم الحكومي المصري، وهو غير موجود في المدارس الأجنبية ويؤدي إلى مشكلات عديدة لأنه في هذه المرحلة يبدأ وعي كل نوع بنفسه وبانجذابه للنوع الآخر إن ذكراً وإن أنثى.
المرحلة الإعدادية ربما تعتبر أسوأ مرحلة فى [حياته] بأسرها ، فهي المرحلة الوحيدة التي فقد فيهافهمى نفسه(الصبي الذي فقد ظله !!). أفلت الزمام من يده، وشعر كأنه يسقط فى بئر عميق ولا يدري لماذا؟
يبدو أن مرحلة المراهقة انعكست عليه في شكل انسداد نفسي تام عن الدراسة بنفس طريقة (فقدان الشهية للطعام)؛ ربما كان يستمع للمدرس في الفصل، ولما لا؟ وهو مضطر على الأقل، ولكنه في البيت لا يكاد يذاكر دروسه أبداً، وبدأ ترتيبه يتأخر… إذا كان ترتيبه الـ ١٦، إلى ٢٧، إلى أربعة وثلاثين والفصل عدده أربعين .. تراجع بثبات وإصرار ويتجه ليصبح الأخير في الفصل ولا فخر! حتى إنه أخفى الشهادة عن والده لمدة ٣ شهور، وكان لا بد أن يعرف والده في النهاية، وكانت أكبر أزمة بين الابن وأبيه، حتى إنها المرة الوحيدة التي ضربه فيها.
ولكن فهمى هذا الذي أعطى بعد ذلك بعض الاهتمام بالدراسة، إلا أنه لم يعد إلى عصره الذهبي في الابتدائي حين كان الأول أو من الخمسة الأوائل. ولكن كانت اليقظة الأخيرة نهاية السنة الثالثة الإعدادي حيث عاد إلى المذاكرة بقوة لأن الشهادة تلعب دوراً في توزيع الطلاب على المدارس الثانوي، وقد بدأ أهله ذلك ليوزع إلى مدرسة الأورمان الثانوية النموذجية بالدقي ، وهكذا استعاد فهمى توازنه بصعوبة فإقباله على المذاكرة هو جوهر حياته وإذا انحرف عنها ليس أمامه سوى الضياع .
كانت هذه الأزمة التي يرجعها فهمى – بعد أن كبر وأصبح أكثر إدراكا – أزمة المراهقة أخذت عنده هذا الشكل، فكان ما إن يعود من المدرسة ويتناول الغذاء حتى يبدأ قراءة القصص التي استعارها من المدرسة، وكانت كتب مشهورة مثل قصة “كنوز الملك سليمان”. وكان يستعير كتباً كبيرة الحجم ويقرأها بنهم، وربما ينتهي اليوم دون أن يفتح أي كتاب دراسي. ورغم ذلك يرى فهمى أن تخصيص حصة للمكتبة كان عملاً هاماً في ذلك الزمان، بالإضافة لإمكانية الاستعارة لأن التلميذ ليس لديه دخل لشراء الكتب.
كذلك كان يسعى بعد المدرسة للعب كرة القدم في الشوارع مع زملائه في منطقة محيطة بالمتحف الزراعى ، أيضاً دون أن يحقق أى براعة فى كرة القدم خاصة فى عدم قدرته على تسجيل الأهداف بين الطوبتين ، والطوبة كانت تمثل العارضة !
من الأشياء الجيدة في المدرسة كان نقل حصة الرياضة إلى مركز شباب الجزيرة المجاور للعب كرة القدم على ملعب حقيقي، ولكنها مع الأسف لم تتكرر كثيراً، ولكنها تعكس أفقاً تربوياً جيداً لدى القائمين على المدرسة. وكذلك الانتقال لمرسم خاص فى حصة الرسم، ولكن مع الأسف لم يكن أستاذ التربية الفنية يعلم الأولاد الرسم بل الرسم السريالى بطريقة إلقاء الألوان كيفما اتفق على اللوحة، وهو يشبه أسلوب ما يسمى الفنان فاروق حسني الذي تولى وزارة الثقافة في عهد مبارك.
بسبب تدهور الحالة الدراسية لفهمي، بدأ الأب يستعين بدروس خصوصية من محيط أصدقائه وتلامذته ، فبدأ يأخذ دروساً في العربية والرياضيات والإنجليزية، وهذا ساعده على العودة لحالته الطبيعية. وكان الأب يستعين بناظر مدرسة للرياضيات ، فكان [فهمي] يشعر بالفخر أن يكون مدرسه ناظراً، وقد ظل معه حتى نهاية أولى ثانوي.
فى ذلك الزمان لم يكن معروفاً أو ممكناً أن يقوم مدرس الفصل أو مدرس من نفس مدرسة التلميذ بإعطائه درساً خصوصياً، كان هذا الأمر لا يخطر على البال. وكانت شخصية المدرسين في منتهى الاحترام بالإضافة لتمكنهم من العلم والقدرة على الشرح.
من الأمور التي أحبطت [فهمي] في هذه المرحلة أنه كان يتوق للغاية للاشتراك في فرقة الكشافة، وكان هذا يتطلب شراء الزى بـ ٣ جنيهات بالاضافة لاشتراك آخر . وكانت هناك كشافة بحرية، كشافة جوية، وكشافة برية، و كان هذا نابع من حبه للحياة النظامية للجيش، فالكشافة أشبه بالجيش. وروى له صديقه في الكشافة تفاصيل الأنشطة والمعسكرات.
هو أحجم عن ذلك لأنه اعتبر الجنيهات الثلاثة مبلغاً كبيراً لا يستطيع إدخاره بسهولة. ولقد بدأت تنمو في فهمي فكرة الاعتماد على النفس وعدم طلب كل شيء من الأهل، فيكفي المصروف و شطائر الصباح، ويمكن في الصيف أن يطلب طلبات بسيطة: آيس كريم، مياه غازية.
وقد لاحظ والده هذه الطبيعة، لذلك في إحدى المرات نادى على زوجته وقال لها: “الولد ده لا يطلب أي شيء، خذيه واشتري له ملابس جديدة”.
ولكن هذا اليوم يكون يوماً ثقيلاً على فهمي، فهو لا يحب المشي في الأسواق، ولا النظر إلى الفتارين، ولا تغيير وقياس الملابس والأحذية. وهو لا يفوز من مثل هذا اليوم العصيب إلا بشرب كوب كبير من الخروب من أفضل محل عصير بشارع سليمان باشا (طلعت حرب حالياً). ولكنه في النهاية وبعد انتهاء المجهود يفرح بالملابس الجديدة.
كان يتزايد إدراكه بأفكار وآراء والده أحمد، الذي كان غارقاً في ذلك الوقت في أهم كتبه (“الطاقة الإنسانية”)، فكان يتناقش حوله مع كل ضيوفه حتى وهو في مرحلة البحث والكتابة والتأليف، وهذا أسلوب جيد عود ابنه على ضرورة الاستفادة من آراء الآخرين والتفاعل معهم. فهم فهمي جوهر الموضوع: أن الإنسان إذا اهتم بهدف وعزم عليه وعمل من أجله بإصرار، فلا بد أن يحققه مهما كان صعباً، ولكن مع غياب الظروف المعاكسة لها (القضاء والقدر).
في أحد أيام الدراسة، قام أحد مشرفي المدرسة بمصادرة كرة من تلميذ لأنه كان يلعب بها في مكان غير سليم أو في وقت غير مناسب، ووضع المشرف الكرة أمامه على المنصة في الطابور بعد الظهر (أي بعد الفسحة)، وقال: “لقد صادرت هذه الكرة ولكنني سأعطيها لمن يقوم بحركة صفا وانتباه بأفضل شكل”. وكان الحاضرون يملئون فناء المدرسة بالمئات و لديهم الأمل في الحصول على الكرة برغم أنها مجرد كرة كاوتش.
قرر [فهمي] أن ينفذ قانون “الطاقة الإنسانية” لوالده أحمد، قرر أن يكون أفضل من يقوم بصفا وانتباه، وبذل مجهوداً ليكون متميزاً وسط المئات، حتى في طريقة الوقوف وضرب الأرض بالقدمين بكل قوة لكى يقوم بأفضل صفا وانتباه . وفي النهاية، أصدر المشرف أمراً للتلاميذ: “تعال أنت”، وكان يشير إلى الجانب الذي يقف فيه، ولكنه لم يصدق أنه هو! لقد كرر النداء وقال: “أيوة أنت”. وانضم إلى المنصة في منتهى السعادة، وهذا المشرف لا يعرفه ولم يتعامل معه أبداً من قبل. ولا يذكر فهمي هل حكى لوالده هذه التجربة التي أثبت بها صحة نظرية (الطاقة الإنسانية)؟ لا شك أنه فعل.. ولكنه لا يتذكر إلا فرحته بالكرة!
*******
لا شيء أحب على التلميذ من اليوم الذي تلغى فيه الدراسة ويذهب إلى البيت مبكراً. وقد حدث هذا مرة عند وفاة ناظر المدرسة الذي لم يكن يعرفه ولا شك أن المدرسين كانوا سيشيعون الجنازة فقرروا إلغاء الدراسة.
أما المرة الثانية فكانت بمناسبة حدث وطني، فتجمع الطلاب الكبار خاصة من الصف الثالث وطالبوا بإنهاء اليوم الدراسي احتفالاً بهذا الحدث، و هتفوا هتافا عجيبا بـ (اليوم حرام فيه العلم!)، وهم يحملون صورة عبد الناصر ويشيرون إليه كأنهم يقولون للمدرسين: “إن عبد الناصر يأمركم أن تنهوا اليوم الدراسي”، وضحك المدرسون. والعجيب أن إدارة المدرسة استجابت لهذه المظاهرة وتم إلغاء اليوم الدراسي، وكان فهمي في قمة السعادة فهو لا يكره شيئاً في حياته أكثر من الدراسة في هذه المرحلة من حياته …
[مواجهة العنف]
من أخطر التحديات التي يواجهها الصبي في المدرسة أو الشارع هي حالة مواجهة التحرش أو الاعتداء البدني، وكيف يتصرف حيال ذلك. فهمي ضعيف الجسم وضعيف البنية، لم يهتم أبداً كغيره في حياته بألعاب حمل الأثقال أو المصارعة بكل أنواعها. وبشكل عام، هو لا يميل إلى العنف اللفظي الذي يؤدي إلى ذلك العنف البدني، وهو مؤدب وهادئ ، وبالتالي لم يتعرض لمشاكل شديدة في هذا المجال، ولكن في المدرسة القومية الابتدائية كان قد تعرض لاعتداء من تلميذ قوي البنية وقد تغلب على الفارق فى القوة البدنية بالجرى والاختفاء فى الفسحة حيث تجرى نثل هذه الأحداث .
ولكنه ظل حزينا وتساءل مع نفسه .. هل أنا نسان جبان ؟ فهذا عار بكل المقاييس . وفى المدرسة الاعدادية قام أحد زملائه بمضايقته باستخدام يده بهدف الهزار الثقيل ، فحاول فهمى أن ينهره مرة واثنين وثلاثة ولكنه لم يرتدع ، وكانوا يصعدون السلم فى نهاية الفسحة ، فلم يشعر فهمى بنفسه إلا وقد انقض على محمود ومزق ثيابه بعد أن سحبه من تلابيبه ، وفوجىء الولد وقال : لقد مزقت البلوفر . وقال له فهمى : لقد حذرتك !!
لم يتعرض فهمى بعد ذلك لمثل هذه المواقف ولكنه استعاد ثقته بنفسه وأن قوته البدنية ليست ضعيفة ، وتبين له أن الجسارة وقوة الأعصاب تقوى البدن والعضلات .
يتبع
