الرجل الذى ظن أنه العاشق الوحيد لمصر – رواية لمجدى حسين – 18- ذكريات مع خالد محمد خالد ومحمد الغزالى والشيخ عاشور الذين انتقدوا عبد الناصر فى حضوره على الهواء ..

صورة لخالد محمد خالد

من أبرز أحداث تلك المرحلة زواج الأختين التوأم جهاد و نضال فى فترة متقاربة تزوجت جهاد من طيار حربى. وتزوجت نضال من زميل بالدراسة فى كلية التجارة الذي أصبح محاسباً ثم مديرًا فى شركة مقاولات كبرى.

و كانت شقة أحمد واسعة إلى حد يسمح بعقد فرح جهاد فيها مع استخدام معظم غرف البيت وجلس العريس والعروسة فى الكوشة فى الصالة، وكان يوما مبهجا في ذلك الزمن، لم تكن هناك ظاهرة الزواج الاسلامى قد بدأت، أي عقد القران في مسجد أو فى قاعة ملحقة بمسجد، وكانت الأفراح تقام في صوان كبير ينصب بجوار البيت ولا بد من الراقصة حتى يصبح الزناف ” قانونياً ” !!

فطبعاً لم يقم أحمد أي صوان ولكنه لم يستطع أن يحرم العروسين والمعازيم من الراقصة فأحضر فناناً متخصصاً فى لعبة العرائس وأحضر معه عروسة على شكل راقصة وقامت بالرقص على أنغام الموسيقى وألقت برأسها على حجر العريس كما تفعل الراقصات في الواقع !! وقد كانت صغيرة الحجم بطبيعة الحال وكان ذلك من أطرف مشاهد اليوم ، وهو أمر لم يشاهده فهمى لا من قبل ولا من بعد !! و حضر القران الشيخ الباقورى وزير الأوقاف السابق وشهد على العقد الذي كان في نفس اليوم.

أما نضال فقد سافرت مع زوجها إلى بغداد الذي سافر إلى العمل في إطار عمله بشركة المقاولات.

وسافر خالد الأخ الأكبر للعمل فى الكويت أيضا كمحاسب حيث كان قد تخرج من كلية التجارة.

وأصبح البيت يعانى من ازدياد حجم الفراغ وقد استفاد فهمى من ذلك إذ أصبح له وحده غرفة بأكملها هى غرفة خالد ، وهى من أكبر الغرف وموقعها هو الأفضل على النيل، وفى مواجهة مجرى الهواء ( بحرى ) وقد استفاد فهمي من هذه الاستقلالية بالتركيز على سماع الاسطوانات وقراءة القصص ثم فى المذاكرة عندما بدأ يستعيد نفسه في أواخر الاعدادية وبداية الثانوية.

*******

ومع ازدیاد عمر فهمي واتجاهه للمزيد من النضج بدأ والده يستخدمه كمبعوث رسمى لإرسال الرسائل أو الكتب الجديدة التى تصدر عنه، ولكنه فعل ذلك في حدود جزيرة الروضة. فى البداية كان يذهب بالرسالة أو الكتاب إلى الابراشى وهو أشهر كاتب لقصص الأطفال وكان مقيماً في ميدان الماليك في بيت بحديقة، شقته فى الدور الأرضى كبيرة ومليئة بالقطط بصورة غير معقولة. وكان فهمي يستفيد من هذه الزيارة بشيكولاته كورونا وعدد من قصص الابراشي.

فى مرحلة لاحقة أصبح مبعوثاً للكاتب الاسلامى خالد محمد خالد أيضا في جزيرة الروضة، وكان خالد محمد خالد يحسن استقباله ويصر على دخوله للصالون وأن يقدم له في كل مرة مشروب ليمون طبيعي. ثم بعد فترة أصبح في إمكان فهمي أن يستغل الزيارة في طرح بعض الأسئلة فى المجال الاسلامى على الأستاذ خالد، كانت علاقتهما دافئة، ولكنها انتهت نهاية أليمة. فبعد مرور سنوات ورغم قراءته لكتب خالد محمد خالد واعجابه بها في مراحله الفكرية المختلفة (أى مراحل خالد التى ترافقت فى تحولها مع تحولات الصغير فهمي)

فقد أعجب فى شبابه بكتابي خالد (هذا أو الطوفان) و (من هنا نبدأ) وكانا كتابان متحرران يميلان لليبرالية. وعندما ثبث خالد محمد خالد على الموقف الاسلامي كان فهمي قد تحول أيضا لنفس الموقف وأعجبته كتبه الاسلامية رغم ان اللقاءات بينها قد انقطعت.

ولكن رغم ذلك كانت النهاية مؤسفة ، وأيضا بدون أن يلتقيا فيبدو ان خالد محمد خالد عاد إلى مواقفه الليبرالية وهاجم صدام حسين فى عدة مقالات خلال أزمة الكويت ودعا أمريكا بحماس إلى الهجوم على العراق. حتى لقد كتب مقالاً مروعاً بعنوان (أرحنا بها يا بوش !) فعندما تأخر الهجوم الأمريكي لمدة ٦ شهور لدواعى حشد قرابة مليون جندى أمريكى وغربي وعربى أصاب القلق الأستاذ خالد وطلب من بوش الإسراع محرفاً قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال لبلال: ( أرحنا بها يا بلال) ! أى قم بأداء الآذان حتى نقوم نصلى وفي الصلاة راحتنا ، فشبه خالد العدوان الأمريكي المرتقب بصلاة المسلمين ، وشبه المجرم بوش (الكبير) بالصحابى الجليل بلال. وقال خالد في مقالة: ” هذه ليست قوات أجنبية بل هي قوات دولية جاءت لإحقاق الحق وانها ستنسحب فور تحرير الكويت. ولم يقل من أبلغ بذلك أو من وعد بذلك، فهذا الوجود الوجود العسكري الأمريكى لايزال في الخليج والعراق بعد مرور 3 عقود!

لم يكن فهمى ليصمت على مثل هذه المواقف ، وهو لا يخجل من أحد فى سبيل قول الحق. لا ينسى صداقته لوالده الذى كان قد توفى، ولاينسى احترامه للأستاذ خالد. ولكن هذا الموقف لا يمكن السكوت عنه. ونشر المقال فى جريدة “الجماهير” حول الموقف عموما من العدوان الأمريكي وتضمن ضمن ما تضمن انتقاد موقف خالد محمد خالد. وبعد أيام كان فهمى عند الحلاق فقال له : ” ان الاستاد خالد محمد خالد حزين جداً منك وعاتب عليك وتحدث معي عن مقالك ضده في ” الجماهير ” . لم يكن فهمي يعلم ان الحلاق مشترك بينهما !! وابتسم وشرح موقفه للصديق المشترك : الحلاق . ولكنه لم يعرف هل ندم خالد محمد خالد على موقفه فيما بعد حين أثبتت الأيام خطأ موقفه. يعتقد فهمى ذلك لأن خالد محمد خالد توقف عن الكتابة في هذا الموضوع نهائياً.

لم تخلو حياة فهمى وأسرته من الأحداث غير السارة فلا يمكن للحياة أن تسير هكذا الهويني كتدفق نهر النيل، فلابد من الفيضانات والشلالات( الجنادل ) وكثير من المنغصات. كان زوج جهاد طيار حربي على طائرة ميج ١٧ ثم ميج ١٩ فيما بعد وقد ذهب فيمن ذهب من القوات للحرب فى اليمن دفاعاً عن نظام السلال ضد المعارضة الملكية المدعومة من السعودية وأمريكا، والطريف ان هذه المعارضة الملكية كانت برئاسة الطائفة الزيدية التى حاربتها السعودية فيما بعد عندما تغيرت القيادة وأصبحت (حوثية).

كان المتمردون يستخدمون الأسلحة الخفيفة لإسقاط الطائرات من فوق الجبال حيث تكون المسافة صغيرة بينهم وبين الطائرات، بالنسبة لسميح جاءت الرصاصة فى ركبته مباشرة ففقد السيطرة على الطائرة وهبط بالمظلة ونجا من الموت وتم علاج اصابته فى الركبة بعملية جراحية وزاره أحمد مع ابنه فهمى بالمستشفى وهنأه على النجاة وأشاد بشجاعته وفروسيته مع استعداده للعودة فور الشفاء إلى الجبهة من جديد.

***

*******

كان فهمي يتقلب فى اهتماماته بصورة غريبة فكل فترة تراه يندفع في هواية معينة ثم يمل منها ويندفع فى هواية أخرى .. وهكذا. من الهوايات التى طولت معه زمنيًا، هواية جمع الطوابع. أعطاه أخاه الأكبر ألبوماً قديماً به طوابع قيمة وقديمة من كل أنحاء العالم. والطابع كلما كان قديما زادت قيمته. وواصل فهمى تجميع المزيد حتى أصبح لديه ألبومات عديدة، وكان يبدل المكرر مع أصدقائه. كانت هذه الطوابع مصدراً للثقافة والمعلومات أسماء الدول والزعماء والمناسبات. ولكنه تخلى فيما بعد عن هذه الثروة لأولاده الصغار.

كان يبحث عن هدف أو رسالة لحياته .. عالم أبحاث أو لاعب كرة قدم أو باحث فى الفلك حيث بدأ يستخدم تلسكوب والده فى محاولة اكتشاف تضاريس القمر ومشاهدة النجوم عن قرب. ولكنه لم يحقق سوى أن يظل تلميذاً في المدرسة !.

فى عام ١٩٦٤ أذيع فى التلفزيون على الهواء مباشرة المناقشات التى تدور فى اللجنة التحضيرية لتأسيس الاتحاد الاشتراكى العربى وصياغة الميثاق. لم يصل فهمى إلى مستوى القدرة على متابعة هذا النقاش ولكن لا حظ الحيوية التى دبت في المجتمع وقدراً ضئيلا من الحريات حيث سمح لخالد محمد خالد و الشيخ محمد الغزالى بالحديث فى هذا المؤتمر على الهواء ، وفي حدود فهم و إدراك فهمى رأى انهما لم يكونا معارضين للنظام ولكن قالا كلاماً بنكهة خاصة بعيداً عن المديح والاشادة . وكان والده أحمد سعيداً بظهور هذه الشخصيات فى التلفزيون. ولكن هذا الأمر لم يتكرر بعد ذلك.

وفي هذه المناسبة تحدث الشيخ عاشور في وجود جمال عبد الناصر وقال كلاماً ينطوى على معارضة صريحة للنظام. فقال: “تتحدثون عن الاشتراكية ونجد هؤلاء الاشتراكيين ينزلون من سیارات فارهة، ويلبسون خواتم ذهب، ونجد عضوات الاتحاد الاشتراكي يرتدين ملابس قصيرة حتى ان ( العملية بتبان ) ، وانتهز جمال عبدالناصر هذه الغلطة وقال: ” نحن نشكر الشيخ عاشور لأنه “قد رفه عننا “. وضحك الجمهور.

بعد ذلك قيل ان الشيخ عاشور تم اعتقاله ونفخه ! و الأكيد أنه عاش حتى عهد السادات وكان يكتب فى مجلة الاعتصام. ولكن في ذلك الوقت أنتج الشعب نكتة سياسية جاء فيها: (انه عندما انطلق جاجارين كأول رائد فضاء في العالم ليدور حول الأرض وكان سوفيتياً، أعلن أنه رأى الشيخ عاشور وراء الشمس) !!

وكان المصريون يقولون على من يعتقل ويختفى ان النظام وضعه وراء الشمس !!

لم يكن فهمى فى طفولته أو صباه ليتوجه إلى الاهتمام بالسياسة أو متابعتها فلم تكن هناك سياسة في البلد إلا ما يقوله ويفعله عبد الناصر ، فلا صحافة حرة ولا تعدد أحزاب ولا جمعيات أهلية حرة. ولكن ظل فهمى كالأسفنجة تمتص أحوال السياسة من خلال علاقاته ببعض الزملاء فى المدرسة.

فى المدرسة القومية الابتدائية مثلا كان قد ألتقى بزميل مغربى روى له عن كارثة زلزال مدينة أغادير. وما أدى إليه من خسائر بشرية ومادية كبيرة.

يتبع

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة