الرجل الذى ظن أنه العاشق الوحيد لمصر – رواية لمجدى حسين – 21 – كيف أصبح عضوا فى نادى الجزيرة الارستقراطى وهو من الطبقة الوسطى؟ وذكريات مع عزيز باشا المصرى رمز الوطنية فى الجيش المصرى

لا تزال شبكة علاقات والد فهمى تدخل حياته فى مساحات واسعة ومتنوعة من الخبرات والعلاقات، بل تنقله إلى مستويات أعلى اجتماعياً.. وهكذا وبدون مقدمات أصبح عضواً رياضياً بنادي الجزيرة الأرستقراطي، أغلى وأفخم نادي في القاهرة في ذلك الوقت. ولا يزال، وإن بدأ يتعرض بعد ذلك للمنافسة من نوادي عدة.
​العضو الرياضي لا يحتاج ليدفع المبالغ الطائلة المطلوبة في حالة الاشتراكات العادية، فهمى من المفترض أن يكون عضواً في إحدى فرق النادى فى لعبة من الألعاب .. و أصبح عضواً في فريق الجودو ومع محاولة أن يصبح فى فريق السباحة، وكل ذلك تم على يد العقيد صادق، وهو عقيد شرطة متقاعد انخرط في السياسة قبل عام ١٩٥2 وهذا ما أدى إلى إخراجه من الشرطة .كان على علاقة بحزب أحمد (مصر الفتاة) وكان يتحدث كثيرا عن علاقاته مع ناهد رشاد وزوجها المقربين من الملك فاروق ويتحدث عن الحرس الحديدى التابع للملك . لم يفهم فهمى هل كان عضواً في الحرس الحديدي أم لا؟ وكان أصغر من أن يفهم فى هذه الأمور. المهم بالنسبة له أنه كان شخصية لطيفة جداً وبشوش ويميل إلى الضحك وإلى جو المرح . ظهوره المفاجىء على مسرح حياة أحمد وأسرته أضفى حالة من الحيوية العامة لاهتماماته المتعددة ، وقد كانت ابنته تجيد العزف على الأورج وكان الأورج نفسه اختراعاً جديداً فادخلت البهجة على البيت عندما تأتي مع والدها ومعها الآلة الموسيقية، وقد شجع هذا أحمد على إحياء اهتمامه بالموسيقى فاشترى جهاز أكورديون، وحاول تعلم العزف الموسيقي على كبر، وعلى الدرب نفسه سار فهمى ، ووجد الأكورديون أسهل من الآلات الموسيقية الوترية التي عجز عن تعلمها في المدرسة، وحفظ عزف مقطوعات قليلة، أهمها أغنية فيلم صوت الموسيقى لجولى أندروز (دو ري مي)، ولكن أيضاً بدا أن الوقت متأخر حتى بالنسبةلفهمى ليجيد العزف الموسيقى، بالاضافة لعدم صبره على أي أعمال يدوية.
​ولكن أهم تأثير للعقيد صادق على قهمى كان فى استخراج كارنيه عضوية رياضية فى نادى الجزيرة .

كان صادق يمتلك سيارة صغيرة وكان يصطحب أحمد بها لبعض الزيارات المهمة. ويذكر فهمى أن صادق اصطحب والده أحمد ومعهما جهاز تسجيل لزيارة عزيز باشا المصرى وكان رمزا وطنيا كبيرا فى الجيش المصرى

كان في الرابعة والتسعين من العمر، وكان يعيش في أيامه الأخيرة وقد أصابه ألزهايمر. كانت زيارة بروح الوفاء لهذا الرجل العظيم، حيث لم يكن الإعلام يتحدث عنه، و لا كانت الأجيال الصاعدة تعرف شيئا عنه ولا يزال الأمر كذلك حتى أوائل القرن الواحد والعشرين.
​وقد سجل أحمد لعزيز المصري كلمة على جهاز التسجيل ولكن عزيز المصرى لم يكن لديه ما يتذكره أويقوله سوى أبيات امرؤ القيس الشهيرة:
… وليل كموج البحر أرخى سدوله    عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه                وأردف إعجازاً وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ         بصبحٍ وما الإصباح منك بأمثلِ
فيالك من ليل كأن نجومه             بكل مغار الفتل شُدّت بيذبلِ
مكرّ مفرّ مقبل مدبر معاً                كجلمود صخر حطه السيل من علِ

كان فهمى الذى لم يذهب لهذا اللقاء يستمع إلى التسجيل بتأثر كبير ، يستمع لصوت عجوز متهدج ضعيف ولكنه واضح وحسن التشكيل ، البيت الأخير يتحدث فيه عن الفرس المقاتل
​أما الأبيات السابقة فهى كلها في الليل الطويل الذي لا ينجلي أبداً.

أما يذبل فهو اسم جبل فى الجزيرة العربية .
​وهذه قطعة من روائع الشعر العربي، ولكن أيضاً لعلها المعنى الوحيد الذي استقر في ذاكرة الجنرال عزيز المصري لأنها تلخص حياته فى نهايتها ، فقد انتهى إلى ليل طويل بدون نهاية ، لا يذكره أحد، وهو لم يحقق أمنياته ، وإن كان الانجليز قد خرجوا من مصر ولكن الضباط الأحرار لم يكرموه كوالد لكل الوطنيين في الجيش المصري، ولم يستفيدوا بخبراته إلا بتعيينه لفترة سفيرا عند الاتحاد السوفيتى .


​وظل فهمى على موعد مع هذه الأبيات الخمس فدرسها في الصف الثانوى الأول، وحفظها . وتمر الأيام وهو يكاد يلامس السبعين وهو في حالة مؤسفة أكثر من حالة عزيز المصري، فقد كان هدف عزيز المصرى إخراج الانجليز من مصر وقد خرجوا، أما فهمى فقد كان هدفه إخراج النفوذ الاسرائيلى الامريكى ، وهو مالم يحدث على الاطلاق !

فهمى يحب الليل لأنه زمن القراءة والابداع والكتابة والعبادة والتأمل … ولكن الليل في هذه القصيدة هو ليل الحياة وظلمتها، لا ظلمة السماء، ظلمة الحياة الممتدة. هل معقول منذ حمل السلاح ضد اسرائيل عام 1967 وتظاهر ضد الأمريكان والاسرائيليين ولايزال يرى فى أوائل القرن الواحد والعشرين النفوذ الامريكى الإسرائيلي جاثما على قلب مصر ويزداد رسوخا ، ولم يبق فى حياته إلا القليل ، ولم يعد يأمل فى إشراق النهار ، فالموت أقرب إليه من نور الصباح ، وإن كانت الأعمار بيد الله . ولكن مهما حدث فإن الدور الذى يمكن أن يقوم به أصبح محدودا ويتجه إلى التلاشى .

يتبع

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة