أصبح فهمى رئيس تحرير صحيفة وأصبح هذا هو الحدث الأهم فى حياته ، بل محور حياته فى هذا الصيف وكل صيف . وبدأت تحقق نجاحا تدريجيا على طريق الوصول لحقيقة العمل الصحفى ولكن بدون طباعة أعداد من نسخة المجلة الوحيدة . أما الأبواب التى نجحت وجذبت اهتمام وتعليق القراء وأحيانا إعجابهم
فهي أخبار وتقارير عن الأسرة وما يجري في البيت وأخبار القطة مفيدة!
وبدأت بعض هذه الأخبار تشبه الحكايات، مثل مذكرات الطفلة الصغيرة ابنة أخته جهاد وكانت لم تنطق بعد، ولكن فهمي كتب مذكراتها على لسانها تشكو فيها من أن الجميع يريد أن يحملها ويلعب بها وهذا يزعجها ويثير ضجرها ولكنها مضطرة للابتسام حتى لا تحرجهم ! كانت مذكرات طفلة رضيعة فكرة مبتكرة لم ترد في أي صحيفة أو قصة!
ثم بدأ فهمي يكتب الصحيفة الأسبوعية التي تصدر في الصيف فقط – على الآلة الكاتبة، ولكن من نسخة واحدة أيضًا، وعلى ورق فولسكاب وليس على ورقة كراسة صغيرة واستمرت تصدر بانتظام من عام 1964 حتى 1967 و أخذت الصحيفة في التطور المستمر من صيف لآخر.
وبدأ فهمي يمارس مختلف أنواع الفنون الصحفية، بدأ يجرى أحاديث مع بعض الشخصيات من الأسرة والجيران وانتهى إلى شخصيات عامة بمصر بحق وحقيقة!! بل وصل الأمر لإجراء حديث مع الأستاذ شكرى وكان ساعتئذ عضوا بمجلس الشعب .. وكان موقفا تربويا رائعا حيث تعامل معه شكرى بمنتهى الجدية وكأنه يجرى حديثا مع صحيفة حقيقية .
ومن طريف المواقف أنه أجرى حديثاً مع بنت الجيران وهي أكبر منه بـسنوات وكانت أسئلته حول أفضل موقف مر بها وأفضل مسرحية من وجهة نظرها، وأفضل فيلم وهكذا في هذا المجال.
وعندما نُشر الحديث ربما لم تعجب آراؤها بعض القراء وقالوا لها: فقالت إنها لم تقل بالضبط هذا الكلام، واشتكت لوالد فهمي: يرضيك يا عمي فهمي شوّه الحديث بتاعي!! وعندما خرجت أخذ أحمد يضحك بملء فيه ويقول له لقد نجحت فعلاً كصحفي، فهكذا يحدث في الصحف الكبرى، تجرى الأحاديث مع شخصيات، ثم لأمر ما تأتي بعض الشخصيات تحتج وتقول لقد تم تشويه الحديث وتحريف الآراء!!
وتصور فهمي أنه سيضرب ضربة الموسم، عندما كان يمارس رياضة السباحة بحمام نادي الجزيرة، حيث وجد لاعب كرة القدم الشهير صالح سليم، والذي يهيم إعجابا به يسبح بعرض الحمام بجواره ، فهذه رياضة خفيفة (20م) أما طول الحمام فهو 50 متراً ويكون أكثر إجهاداً إذا سبحت بالطول . لم يفوّت فهمي الفرصة فاقترب من صالح سليم هداف الأهلي ومنتخب مصر وسلم عليه وقدم نفسه كصحفى ورئيس تحرير مجلة “الفهم” وأنه يريد أن يجري حديثاً صحفياً معه، فقال له صالح سليم: هكذا ونحن في الميه، قال فهمي: لا بعد أن نخرج من حمام السباحة ، وتصور فهمى أنه ظفر بمنيته ، وبعد قليل وجد صالح سليم يخرج من الحمام ويسير في اتجاه حمام آخر (الليدو) ويبدو أنه خلع ملابسه هنالك، وهنا تمكنت من فهمي كريزة عزة النفس المعهودة عنده فلم يعدو خلفه، وقال لنفسه كيف يترك صالح سليم المكان.
دون أن يقول لي، أو يلتزم بوعده، لن أذهب وراءه أستجديه . .
ونسى حالة الإعجاب المروعة التى تتلبسه تجاه صالح سليم وكم الصور
التي لديه له في ألبومات الكرة . ومع ذلك ورغم هذا الحدث الجلل فلم يغير موقفه الكروي
منه.
وظلت مجلة “الفهم ” تتنقل من نجاح إلى نجاح أكبر ومن ذلك أن أفراداً من الأسرة
أكبر منه سناً طلبوا أن يعملوا عنده في إدارة التحرير وان يحرروا بعض الأبواب
وقد وافق ورحب بهم. وبالتالي أصبحت المجلة تستند إلى قدر من العمل الجماعي
مع عقد اجتماعات للتحرير والتنفيذولكن بدون دفع أي رواتب أو أجور !!
وفي نفس الوقت كان صلباً تجاه الاستفزازات والنقد، مرة من فتاة في محيط أصدقاء العائلة قالت أريد قراءة المجلة وأخذتها ثم كتبت عليها : طز . تى أو زد ، ولكنه تجاهلها .
ومرة قال له الاستاذ الدسوقي الناقد الأدبى الكبير صديق والده عندما
أعطاه المجلة ليقرأها وكان يضع على الغلاف صورة ملونة جميلة مأخوذة من مجلة قافلة
الزيت التي تصدر عن شركة أرامكو، قال له: (أنت تنشر هذه الصورة
الجميلة للايهام بأنها مجلة حقيقية)، ولم يرد عليه فهمى ولكنه اعتبرها
إهانة لا تغتفر كيف يقول “إيهام” وهل هي ليست مجلة حقيقية؟ وقرر
عدم عرض المجلة عليه بعد ذلك !
وفي ذروة من ذروات النجاح قامت المجلة بعمل مسابقة في المعلومات، واشترك
فيها عدد كبير وكان من الأسئلة تحديد ما هى عجائب الدنيا السبع؟
وكان عدد الاجابات الصحيحة أكبر من الجوائز (3 جوائز)
فأقام حفل لإجراء القرعة وتوزيع الجوائز وكان ذلك في شرفة البيت
المطلة على النيل كأجمل كازينو، واعتمد الحفل على زجاجات مياه غازية
وبعض اللب والسوداني وكان هذا نوعا من البذخ بالنسبة لموارد المجلة !!
وكان المتسابقون الناجحون كلهم من الكبار وتم اجراء القرعة
وتوزيع الجوائز:
الجائزة الأولى كانت ربع جنيه أى 25 قرشاً وكان ذلك مبلغاً كبيراً فى ذلك الزمان ، وتم تصوير الحفل بصور حية بالكاميرا الخاصة بالجريدة.
لم يكن والده (أحمد) ليهمل كل هذه التطورات، وهو دائماً يضع فهمي في
ظل رعايته، فأرسل إليه خطاباً رسمياً بمناسبة تحول المجلة إلى الطباعة
بالآلة الكاتبة واعتبر هذا تطوراً نوعياً وهنأه عليه ورصد مراحل
تطور المجلة وقال: لقد أصبحت بالفعل مجلة حقيقية.
ونشر فهمي الخطاب في العدد التالي مباشرة، وكانت ضربة صحفية كبرى،
وكان من آخر علامات التطور أن فهمى بدأ في استخدام الكاميرا
كما حدث في حفل المسابقة وبدأ فى نشر الصور فى المجلة : صور الشخصيات التى يجرى معها الأحاديث أو مناظر طبيعية ، ولكن كانت الصور فى ذلك الوقت لا تزال بالأبيض والأسود .
يتبع
