العراق: الاحتلال المالي وسلاح المقاومة – ناصر قنديل

التعليق السياسي – كتب ناصر قنديل

إذا تحقق الانسحاب العسكري الأميركي الكامل من العراق في الثلاثين من أيلول المقبل، كما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، فإن العراق سيطوي صفحة احتلال عسكري استمر ثلاثة وعشرين عاماً منذ غزو عام 2003. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يكتمل معنى استعادة السيادة إذا بقيت أدوات التحكم الأساسية بالاقتصاد العراقي خارج الإرادة العراقية؟

يتزامن موعد إنهاء الوجود العسكري مع مهلة حددتها الحكومة العراقية لإنجاز ملف حصر السلاح بيد الدولة. ويُطرح هذا الملف باعتباره شرطاً لقيام دولة كاملة السيادة، لكن الوقائع تشير إلى أن السيادة لا تقاس بالسلاح وحده، بل أيضاً بالقدرة على التحكم بالمال العام، ولا سيما بعائدات النفط التي تمثل نحو 90% من إيرادات الموازنة العراقية.

فمنذ عام 2003 أنشأت سلطة الائتلاف المؤقتة صندوق تنمية العراق (DFI)، وربطت عائدات النفط بحساب لدى الاحتياطي الفدرالي الأميركي في نيويورك. وبعد انتهاء الإدارة المباشرة للاحتلال، بقيت الآلية نفسها قائمة بصيغة حساب يعود للبنك المركزي العراقي، لكن تحت نظام يمنح واشنطن قدرة استثنائية على مراقبة حركة الأموال والتحكم بإمكانية الوصول إلى الدولار، وهو ما وفر للولايات المتحدة نفوذاً مالياً دائماً داخل الاقتصاد العراقي.

ولم يبق هذا النفوذ نظرياً. ففي عام 2020، عندما طالب البرلمان العراقي بانسحاب القوات الأميركية، تداولت تقارير موثقة أن واشنطن لوحت بقطع وصول بغداد إلى حساباتها النفطية في نيويورك، قبل أن تتراجع الأزمة. وخلال السنوات اللاحقة استخدمت الولايات المتحدة القيود على التحويلات الدولارية والعقوبات على مصارف عراقية أداةً للضغط السياسي والاقتصادي، ضمن سياسة الحد من النفوذ الإيراني.

لهذا تبدو المفارقة واضحة. إذا كان المطلوب من العراقيين قبول حصر السلاح باعتباره استكمالاً لاستعادة الدولة لمفهوم سيادتها، فمن الطبيعي أن يُطرح بالمقابل سؤال موازٍ، أليست الأولوية هي لحرير السيادة من الاحتلال الأجنبي، و لماذا لا يصبح تحرير القرار المالي العراقي جزءاً من مفهوم استعادة السيادة؟ وكيف يمكن الحديث عن نهاية الاحتلال بينما يبقى المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة خاضعاً لآلية تمنح دولة أجنبية قدرة مؤثرة على حركة الأموال العراقية؟

لا يتعلق الأمر برفض التعاون المالي الدولي، ولا بإلغاء الضمانات التي وفرت للعراق حماية قانونية لأمواله بعد عام 2003، بل بإعادة التفاوض حول الصيغة التي تجعل الحكومة العراقية صاحبة القرار الكامل في اختيار أماكن إيداع عائدات النفط، وإدارة احتياطاتها، وتحويل أموالها بحرية، بما يتوافق مع سيادتها الوطنية، أسوة بحال أي دولة طبيعية تمارس سيادتها على أموالها من دون أن يبقى هذا الحق رهناً بموافقة أو اعتراض خارجي.

أي حكومة عراقية تعلن انتهاء الاحتلال وتطالب بحصر السلاح سوف تجد نفسها أمام استحقاق سياسي وأخلاقي متلازم، أن تجعل تحرير المال العراقي من القيود التي نشأت في ظل الاحتلال جزءاً من مشروع استعادة السيادة. فالسلاح والمال وجهان للدولة نفسها؛ وإذا كان الأول يحتكر استخدام القوة، فإن الثاني يحتكر القدرة على القرار الاقتصادي. واستعادة أحدهما دون الآخر تعني أن الاحتلال قد ينسحب من القواعد العسكرية، لكنه يبقى حاضراً عبر مفاتيح النظام المالي وعائدات النفط، وهي المفاتيح التي لا تقل تأثيراً في القرار الوطني عن وجود الجندي على الأرض.

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة