الارتماء في حضن النيل
لم يكتف أحمد باحتضان النيل من شقته الواسعة المطلة عليه، بل في كثير من الأيام يقوم بالمشي حول النيل لمدة ساعة مساءً وقد كان يحتاج لذلك كرياضة وحيدة يقوم بها حيث أنه لا يخرج من البيت إلا لمامًا بعد اعتزاله للسياسة ، كما لاحظ فهمى أنه يقوم ببعض تمرينات سويدي أحيانًا . كان أحمد يصطحب فهمى معه في بعض الأحيان في هذا المشوار.
وكان عبارة عن السير في مستطيل يبدأ من كوبري عباس حتى كوبري الجامعة على كورنيش الروضة ثم يعبران كوبري الجامعة وينعطفان يساراً في اتجاه كوبري عباس ولكن من ضفة الجيزة ثم يعبران كوبري عباس إلى الروضة وكان النيل لا يزال مفتوحا ومتاحا للناظرين ولم تسد الأندية والكازينوهات وتمنع بأسوارها مجال رؤيته . لم يكن يتخيل أنه عندما يكبر سيرى النيل محاصرا أسيرا وملكا للأغنياء والاماراتيين ، فلم تكن ما تسمى دولة الامارات موجودة أصلا .. لم يكن بعد قد سافر إلى يوغسلافيا حيث رأى نهر الدانوب الأشهر فى أوروبا وهو مفتوح لكل الناس ويمنع البناء حوله ولمدى كبير . ولكن هذا حدث فى مصر رغم أنها هبة النيل كما يتم التعليم فى المدارس . كان عشقه لمصر مجسدا فى عشقه للنيل وأغنية النهر الخالد لعبد الوهاب .. وقد ورث عشق مصر ونيلها من والده . وكان سمع منه مرارا أثناء حديثه للزوار أنه عندما دخل هذه الشقة لتفقدها ورأى النيل والأهرامات من الشرفة جلس على الأرض وقال لن أبرح هذه الشقة ولن أتركها . وبالفعل فقد أستأجرها بمبلغ كبير جدا .. 9 جنيهات كاملة !!
أيضا لم يكن فى مقدور فهمى أن يتخيل بعد أن عاش فى هذه الشقة وانتقل بأسرته بعد الزواج للعيش فيها مرة أخرى .. أنه بعد 76 عاما سيتعرض للطرد من مسكنه بسبب قانون جائر لطرد المستأجرين ، ولم يكن يتصور أن رعاعا من الصحراء البعيدة سيأتون للاستيلاء على كل جزيرة الروضة ويسورون نهر النيل بل يخططون للاستيطان فى كل جزره بما فيها جزيرتى الذهب والقرصاية القريبتين من مسكنه وجزيرة الوراق .
تعلم الكثير من والده عن النيل أكثر مما تعلم من المدرسة .. تعلم أن
“مصر هبة النيل”.. فبهذه الكلمات الثلاث استطاع أبو التاريخ المؤرخ الإغريقي الأشهر “هيرودوت” خلال القرن الخامس قبل الميلاد، أن يلخص كل شيء، فذلك النهر بدأت علي ضفتيه أقدم وأعظم حضارة على الكرة الأرضية، وبدونه تبقي مصر صحراء قاحلة مترامية الأطراف.
“مصر هبة النيل”.. هكذا كان يقصد هيرودوت قبل ألفى وخمسمائة سنة، فتلك الحضارة التي ازدهرت علي ضفافه، ما كانت لتكون لولا ماء النيل وطميه المتجدد مع كل عام جديد، ضامنا إلى الأبد خصوبة التربة وما تطرح من ثمار .
“نهر النيل هو الأساس الذي اعتمدت عليه الحياة المادية والاجتماعية في مصر، لذا إجتهد المصري القديم في ابتكار طرق تهدف إلى الاستفادة من مياه النهر، وذلك من خلال تنظيم الري وحفر الترع لزراعة أكبر مساحة ممكنة من أرض الوادي.
” أطلق المصريون القدماء على نهر النيل في اللغة المصرية القديمة “إيترو عا”، بمعنى “النهر العظيم”، وتشير الأصول اللغوية لكلمة النيل إلى أنها من أصل اليوناني “نيلوس”، بيد أن آخرين تحدثوا عن أصول فينيقية للكلمة وهى”نهل”، بمعنى مجرى أو نهر”. وروى أحمد لابنه قصصا تبدو أسطورية عن البعثات المصرية القديمة قبل الميلاد فى أعماق افريقيا أى السودان وحيث كانت الدولة المصرية تمتد إلى أواسط السودان . وقال له إن برديات مصرية كتبت أن مياه النيل تأتى من السماء .. فكيف عرفوا أن مياه النيل هى فعلا مياه أمطار السماء فى أثيوبيا وأوغنده وهم لم يصلوا لتلك البلاد .
“كانوا يرون النيل على إنه غذاء مصر وطعامها ومؤونتها، إنه يسمح لكل امريء أن يحيا، الوفرة على طريقه، والغذاء على أصابعه، وعندما يعود يفرح البشر، كل البشر”،
********
كان المشي متعة بجوار النيل مع والده وكان فهمى يستغل هذه الساعة ليمطر والده بالأسئلة في شتى الأمور والمجالات، وحاول مرّة أن يفهم منه كيف يتكون الطفل ويولد ومن أين يأتي بالضبط ؟ فأجابه والده إجابات عائمة ولكن قال له في النهاية أنه ينزل من بطن الأم!!
*****
وبدخوله المدرسة الثانوية .. أصبح فهمى على أعتاب مرحلة الشباب والتى ربما ستكون أكثر إثارة بما يفوق كل أحلامه وتخيلاته .
يتبع
