الرجل الذى ظن أنه العاشق الوحيد لمصر – رواية لمجدى حسين – 27 – أول زيارة لمعشوقته غزة قبل أن تقع تحت الاحتلال

الصورة لكوبرى الفردان

مرحلة الشباب
وأخيراً دخل فهمى مرحلة الشباب بدخوله المدرسة الثانوية ، الأورمان النموذجية وكانت في الدقى وقريبة جدا من جامعة القاهرة، وكأنه يسعى حثيثاً لهذه الجامعة. كانت السنة الأولى الثانوية وكأنها امتداد للمرحلة الاعدادية، فهي مرحلة فتور و برود ، بلاطعم أو رائحة ، وعدم إقبال على الدراسة الا بطريقة أداء الواجب. كان عمره ١٥ عاما أي أصغر من كل دفعته التي كانت في السادسة عشر من العمر بسبب دخوله المبكر المرحلة الابتدائية مدرسة خاصة .

لا يعرف كيف يفصل بين
مرحلتى الصبا و الشباب ، فهما متداخلتان، ولكن المؤكد انه فى العام الثاني
من الثانوية وجد أنه قد اكتمل شبابا ورجولة وأصبح لديه بطاقة شخصية ! .
كان معه في الفصل بعض الشخصيات المهمة ، بطل مصر في الغطس وزميل له قرابة مع المصرية زوجة الرئيس الغانى نكروما الذي لجأ إلى مصر ، وكان معه أول زميل دراسة مسيحى فلم يكن معه أى مسيحى طوال وجوده فى 3 مدراس .
وعندما كبر فى السن أعتقد ان هذا مؤشر على صحة الاحصاء الرسمى الذى يحدد عدد المسيحيين بما لا يزيد عن 6 في المائة من السكان ,ولو كانوا 10 في المائة كما يقال أحيانا لكانت نسبتهم العشوائية فى الفصل أكثر من ذلك ، وحتى في المدرسة السعيدية التي انتقل إليها بعد ذلك لم يكن معه في الفصل إلا طالب مسيحى واحد . أما زميل الفصل المسيحى فى مدرسة الأورمان فكان ابن مهندس معماری شهير وكان من أقرب الأصدقاء إليه .
لم يكن فهمى مقبلا على الدراسة ، لذلك فؤجي يوما بأستاذ العربى يسأله سؤالا ويعجز عن الإجابة عليه، فقال الأستاذ / ياه أحسن طالب في اللغة العربية لايعرف الاجابة !! واستغرب فهمى من ذلك التقييم الذي أسعده .
کان فهمى محظوظاً في مستوى أساتذة اللغة العربية اللذين درسوا له، مما جعله يجيد اللغة العربية ويتقنها سواء في النحو أو الانشاء أو الشعر أو عبقريات العقاد . وعموما كان مستوى المدرسين فى مختلف المواد الدراسية مرتفعاً في المدرسة النموذجية . لم يكن له أى ذكريات مهمة طوال هذا العام الأول، ولكن لا شك ان مستواه الدراسي
كان أفضل من مرحلة الاعدادية، وكان يستعد لمرحلة الاختيار بين الأدبي والعلمي
ثم دخول الجامعة.
أهم حدث في هذه المرحلة كان سفره إلى غزة . لماذا تحمس للسفر ؟ هل بدأت القضية الفلسطينية تتملك فؤاده ؟ كان السفر لغزة فى ذلك الوقت له هدف شهير وهو شراء سلع
مستوردة حيث كانت مشهورة بوجود هذه السلع (أجهزة كهربائية. ملابس ) ولكنه لم يكن لديه أى ميل لعمليات الشراء واقتناء السلع الأجنبية ولا حتى الوطنية !!


أم كانت رغبة دفينة لاستكمال خريطة الوطن العربي بعد خريطة مصر، على جوجل إيرث الخاص به ، وقبل نشأة جوجل نفسه ! وهكذا بعد دمشق هاهو يزور جزءاً من فلسطين ؟ كان لديه تطلع وفضول للتعرف على المزيد من أركان الوطن المصرى والعربى . وما كان والده المحب لفلسطين والذي حارب على أرضها ليرفض فكرة الرحلة وكان الاشتراك ٢٠ جنيها .
تم اصدار كارنيه خاص لكل مسافر وعليه ختم عام 1966 ، وينص على السماح له بزياره غزة، وهذا يعنى أن زيارة غزة لم تكن أمراً طبيعيا في عهد عبد الناصر بل لا بد من الحصول على موافقة خاصة’ من جهات الأمن. وهذا الكارنيه أشبه بجواز السفر لكن لغزة فقط ولمرة واحدة . ولكن اكتشف فيما بعد انه حتى زيارة سيناء أيضا كانت تتطلب موافقة جهاز المخابرات، وهذا موقف مؤسف للغاية اذ يضع حاجزاً بين مصر وجزء عزيز من أرض الوطن وكان قد تعرض للاحتلال الاسرائيلى عام ١٩٥٦ . وهذا الحاجز يمنع التفاعل بين مواطن الوادي وأهل سيناء و يمنع تعمير سيناء، حيث لم يكن هذا هدفا مطروحاً ، وهكذا تحولت سيناء إلى منطقة مقفلة ، وهى سياسة استعمارية بريطانية كرسها الانجليز أثناء احتلال مصر حيث اشترطوا الحصول على موافقة المخابرات البريطانية لمجرد زيارة سيناء حتى وان كانت للترفيه والسياحة، وهى نفس سياسة بريطانيا تجاه جنوب السودان فى السودان حيث كان المواطن الشمالي لا يستطيع زيارة الجنوب بدون موافقة المخابرات البريطانية، وكذلك كان المصريون يحتاجون لنفس الموافقة لزيارة السودان، وهى سياسة خبيثة لتمزيق الأمة العربية والإسلامية وتمزيق العلاقة بين مصر والسودان وبين شمال السودان وجنوبه .
من الاخطاء الفادحة للعهد الناصرى اتباع نفس السياسة مع سيناء بحيث تم تكريس أنها مجرد منطقة صحراوية حدودية ، ولا يضع فى اعتباره مسألة التعمير والتوطين لتنمية استغلال ثرواتها المتنوعة، واقامة حاجز بشري يؤمنها ويؤمن مصر من أي عدوان اسرائيلي وهو الأمر الذى حدث فعلاً في 1967
لم يكن فهمى يدرك كل هذه الأبعاد فى تلك الفترة، كان سعيداً بزيارة غزة وكـفى . كانت الرحلة بالقطار من محطة مصر ( رمسيس ) وهذا الخط هو بقايا الخط الذى كان يصل إلى القدس فى الثلاثينيات من القرن العشرين، وكان استمرار عمل هذا الخط بين القاهرة وغزة أمر فى منتهى الأهمية لربط غزة بسيناء ومصر شريطة وجود خطة تنموية ودفاعية متكاملة.

اكتشف فهمى بنفسه تهالك هذا الخط وتدهوره وبطئه حتى لقد استغرقت الرحلة 12ساعة مملة ومرهقة . وتوقف القطار أثناء عبوره كوبرى الفردان عدة ساعات . كوبرى الفردان هو الكوبرى الوحيد الذى يربط بين الوادي وسيناء ومعد لعبور السكة الحديد عليه
فوق قناة السويس وهو من صنع الانجليز على الأغلب عندما كانوا يتصدون للهجوم التركى العثمانى فى الحرب العالمية الأولى ثم الانتقال من الدفاع إلى الهجوم حتى احتلال فلسطين .

يتبع

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة