من أوراق السجن فى متابعة الثورة السودانية – 2 : اقتسام السلطة بين الثورة والنظام القديم ! – مجدى حسين

انتهت الثورة السودانية إلى حالة فريدة بالنسبة لقاموس الثورات ، وإلى حالة عادية بالنسبة للثورات العربية ، إذ تم الاتفاق على تقاسم السلطة بين الثورة والنظام القديم !
نحن نرتضى ما يرتضيه الشعب السودانى ، والشعب السودانى يبدو أصابه الارهاق من عمليات القتل والاعتقال والاصابات وعدم الاستقرار ، ولذلك فهو سعيد بالاتفاق بين المجلس العسكرى الانتقالى وقوى الحرية والتغيير ، رغم كل التوجسات التى تحيط به .
ولكن الشعب السودانى سيكتشف أنه دخل فى مرحلة من الشد والجذب بين الجانبين ستستمر ثلاثة أعوام لن يكون فيها الاستقرار إلا نسبيا .
ونحن نفرق بين النظام القديم للبشير والمؤسسة العسكرية ، ونرى أن المؤسسة العسكرية لابد أن تشارك فى الحكم بشكل واضح ومؤسسى يحدده الدستور ، حتى مع الانتقال التام للحكم المدنى . وهذا هو حال كافة الأنظمة فى العالم . ولكن المشكلة أن هناك أفرادا بعينهم كان دورهم محوريا فى حكم البشير وهم فى المجلس العسكرى الانتقالى ، وهم يكرسون نفس السياسات التى اتبعها نظام البشير حتى بعد الاطاحة به وحتى الآن . ومن أبرزها استمرار توثيق الصلة مع الامارات والسعودية والحصول على دعم مالى منهما : 3 مليار دولار ، وتضمن ذلك إرسال شحنات من القمح تكفى السودان لعدة شهور . والأهم من ذلك استمرار عمل القوات السودانية فى اليمن ضد الحوثيين رغم خسائرها التى بلغت أكثر من 400 قتيل وهى حرب عبثية من المفترض أن يطالب الجميع بوقفها لا المشاركة فيها . كذلك كل هذه الرموز شاركت فى قتل المتظاهرين . وطوال الشهور القادمة
فان جناح النظام السابق ولا نقول العسكريين فحسب سيسعى إلى تثبيت نفسه فى الحكم . وهكذا ستظل لعبة الكراسى المتحركة مستمرة فى هذا المنصب أو ذاك ، فى هذا الموقف أو ذاك .
ويرى جناح ” الحرية والتغيير ” أن المكسب الأساسى أن الطريق قد انفتح لتشكيل حكومة مدنية ومن ثم بعد ذلك تكريس قواعد الانتخابات والديموقراطية. وهذا صحيح من الناحية النظرية ، لكن اللعبة ما تزال مستمرة بين أخذ ورد ومواصلة لنفس المناهدة . لاحظ أن التوقيع تم بالأحرف الأولى فحسب وأن المداولات مستمرة للتنفيذ حتى 17 أغسطس ومواعيد أخرى حتى أول سبتمبر 2019 . كذلك فإن قضايا الحركات المسلحة لم تحل جميعا وهذه وحدها كفيلة بقلب الطاولة على الجميع .
قضايا السودان للسودانيين ونتمنى وندعو الله أن يوفقوا فى حلها .. ولكننا نتحدث فى قضايا عامة دون الدخول فى كثير من التفاصيل ..
السودان يعانى من مشكلة لا يحتكرها بل هى منتشرة فى ربوع الوطن العربى ، فبعد انهيار مشروع القومية العربية وتحطم معظم النظم التى دعت إليه فقد الناس الايمان بالوحدة العربية ، وبعد الفشل المتوالى للحركات الاسلامية فقد الناس الحماس للمشروع الاسلامى ، وطوال هاتين المرحلتين المتداخلتين من عام الهزيمة 1967 وحتى الآن ، أى أكثر من نصف قرن ، تعمقت وازدادت الأحاسيس الاقليمية والقطرية بل حتى الأقطار تتعرض للتفكك عرقيا وقوميا ومذهبيا ودينيا : الأكراد فى سوريا زالعراق والأمازيج فى الجزائر والمغرب وغير ذلك .
كل قطر أصبح مشغولا بنفسه ، وهو أسلوب لا يساعده حتى على أن يفهم نفسه فهما صحيحا .
والسودان مهيىء لاستشراء هذا المرض ، بل هو يعانى منه بالفعل بعد فشل التجربتين : القومية فى عهد نميرى والاسلامية فى عهد البشير والترابى . والحقيقة فإن هزيمة نظام الانقاذ لم تتم على يد الثورة الحالية ، بل هو الذى قتل نفسه بنفسه بعد قرابة 15 عاما من قيامه . ولايمكن تحديد تاريخ محدد بدقة ، فقد مات موتا بطيئا إكلينيكا وعلى مراحل . حتى عندما جاء ديسمبر الماضى عام 2018 لم يكن قد بقى من النظام إلا شخص البشير الذى كان قد توقف عن مجرد اللفظ بالاسلام وارتمى فى أحضان السعودية والامارات وقطر، وكان لا يضيع أى فرصة أخرى فارتمى فى أحضان روسيا ووعدها بقاعدة بحرية ، ومن قبل فعل مع تركيا . كان مشروع البشير فى السنوات العشر الأخيرة : بيع السودان لمن يشترى ، وحقق درجة متقدمة فى مجال إرضاء أمريكا والغرب، فوقع مثلا اتفاقا مع أمريكا لفتح محطة للمخابرات الأمريكية فى الخرطوم لمواجهة الارهاب ، لذلك كفوا عن متابعة القبض عليه لمحاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية ، وكان يسافر إلى بلاد عديدة بحرية ، ولكن كان لايزال مطلوبا منه بعض الالتزامات الأخرى حتى يرفعوا السودان من قائمة الارهاب .
ولكن ستظل كل أخطاء وكوارث البشير تحسب على الاسلام السياسى لأن الاسلام السياسى السودانى يتحمل المسئولية لأنه لم يكن حازما فى مواجهة البشير منذ البداية وظل حتى اللحظة الأخيرة يطالبه بكذا وكذا هذا فريق أما الفريق الآخر وهو الأكبر عددا فقد بقى مع البشير حتى النفس الأخير وهو التيار الواسع فى حزب المؤتمر العام الذى تحول صراحة إلى موقف نفعى صريح ولم يعد له هدف فى الحياة إلا البقاء فى السلطة والاستمتاع بخيراتها .
لذلك فإن أخطر ما يواجه السودان للآن هو خطر الانكفاء ،بل هذا الخطر بدا فعلا واضحا للعيان . تصوروا خلال هذه الثورة المهيبة الجبارة لأكثر من 6 شهور ، لم يتحدث فيها أحد من قادة الثورة عن ” سحب القوات السودانية من اليمن ” أو يعلن أحد تأييد هذا الوجود ويقول أسباب ذلك ، وكأن هذا الموضوع هامشى : أن يقاتل السودانيون فى دولة شقيقة كطرف فى حرب أهلية بل مع تدخل عسكرى سعودى إماراتى ، بحيث تحول الجندى السودانى إلى مرتزق وهو الذى كان يتم إرساله للقتال ضد العدوان الصهيونى على مصر .
لايمكن للسودان أن يحل مشكلاته الداخلية العويصة والمتعددة والمتشابكة وكأنه جزيرة معزولة عن عالمه العربى والاسلامى والافريقى .
من أوراق سجن ليمان طره 2019
يتبع

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة