ظهرت نتائج السنة الأولى الثانوى وجاء الاستاذ الخصوصي لفهمي إلى البيت لتقيم الموقف بینما كانت النتائج جيدة : 80 % ، وقال له فهمي. ( إني أرغب في الالتحاق بالقسم الادبي فهو الاقرب لميولى واستغرب الاستاذ وكان هو مدرس الرياضة : كيف تقول هذا أنت قد حققت نتائج شبه نهائية في الرياضة و قد لاحظت خلال حلولك للمسائل فى الدروس بيننا أنك تمتلك عقلية رياضية . كان فهمي سعيدا بهذا التقييم ، سعيدا أن يكون هذا هو مستواه في رأي المدرس بينما هو لا يزال لا يحب الرياضة ولا يزال لا يدرك هل كان لقسوة أبلة فهيمة مدرسة الرياضيات فى الابتدائى تأثيرا في ذلك أم لا ؟ من فرط سعادة فهمي برأي المدرس وافقه علي صحة قرار الالتحاق بالقسم العلمى .
عندما علم والده بهذا الاختيار طلب منه عقد اجتماع في غرفة مكتبه ، هذا لم يكن يحدث من قبل ولكن فهمي قد كبر وأصبح يمكن ان يعقد اجتماعا
خاصا في غرفة المكتب مع والده ، وقد كان لقاءا تاريخيا فهذه أول مرة يحاول أحمد وربما أيضا آخر مرة التأثير في حياة ابنه بصورة مباشرة وهو عند أهم مفترق طرق في حياته . طبعا هو لم يأمره بشىء ولكنه بذل جهدا لاقناعه .
قال أحمد كلاما فلسفيا وفكرياً على مستو عال ، على اعتبارأن ابنه قد كبر ويمكن أن يستوعب ، قال له إن كل تخصصات القسم العلمى هي مجرد تطور حضاري لكل الأعمال اليدوية والعملية ، أما الذي يقود وينظم ويحكم المجتمع فهم المفكرون والفلاسفة ورجال السياسة والاقتصاد و القانون ، و بالتالي لا شك ان القسم الأدبى أكثر أهمية من القسم العلمي كما انه يتوافق مع ميولك .
انبهر فهمي بعمق الرؤية التي سمعها وإلتى لا يمكن أن يقول بها شخص آخر سوى رجل بعقلية ووزن والده ، واقتنع بدون أي إحساس بالاكراه ، وقرر الدخول في القسم الأدبي، وقد برهنت الايام علي صحة هذا الاختيار .
وقد أدى هذا القرار إلى انتقاله للمدرسة السعيدية الثانوية لان الأورمان الثانوية لم يكن بها أي فصل أدبي ، وقد كان هذا تحولا رائعا لفهمي فحياته في المدرسة السعيدية كانت أفضل بكثير . المدرسة السعيدية من
المدارس العربية العريقة في مصر وهي من كبريات المدارس قبل 1952 كالمدرسة الابراهمية و الخديوية . وظهر عليها ذلك في المباني الضخمة العالية وأيضا في المستوى العلمى للمدرسين، والفناء الواسع. كانت المدرسة أقرب قليلاً لبيته ، وأيضا شديدة القرب من جامعة القاهرة ، كأنه يظل يحوم حول جامعة القاهرة ويصر علي دخولها . لم يكن في السعيدية سوى فصلين فقط للأدبي ، وهذا يعكس أن التيار الجارف للتلاميذ كان يختار العلمي لأنه طريق الأطباء والمهندسين والصيادلة وربما مجال الدخل الأكبر .
وعاد فهمي للتألق في الدراسة ، عاد ليحتل المركز الاول في الفصل أو يتبادل المركزين الأول والثاني مع صديقه خميس ، ورغم هذا التنافس فقد أصبحا صديقين في المذاكرة ، والتعمق في اللغة الانجليزية ، وأيضا فى اكتشاف وسط البلد التجاري مساء الخميس في شوارع سليمان باشا و فؤاد وما بينهما حيث كانا يقومان بانشطة برئية لا تتعدي شرب القهوة المثلجة ! وأحب فهمي علوم التاريخ والجغرافيا واللغة العربية ،وكان مبهورا بشكل خاص بمدرس العربي ( منصور ) يحبه ويحترمه ويستفيد منه وكان يراه
استاذا جامعياً وليس مجرد مدرس ثانوی و الاستاذ منصور بدوره التفت إليه و اعتبره أفضل تلميذ عنده فى الفصل .
وكان يستقبله في غرفته الخاصة إذا أراد أن يسأله عن أى شي، والحقيقة فقد كان بابه مفتوحا للجميع – وقد اعتقد فهمى دائماً – بعد ذلك أن نموذج الاستاذ منصور يعطى مؤشراً على حال التعليم في الستينيات من القرن العشرين، وما آل إليه التعـليم بعد ذلك حين تدهور و اختفت مثل هذه النماذج من المدرسين، وانفجرت ظاهرة الدروس
الخصوصية .
لم يستطع منصور أن يخفى إعجابه وتقديره لفهمى ففى احدى الحصص وكانت مخصصة للنقاش والسؤال حول الميثاق” وكان أحد أبواب اللغة العربية و كان الميثاق صعباً في أسلوبه، وتكرر فى الحصة أن يسأل الاستاذ منصور السؤال فيرفع كثيرون أيديهم طالبين الاجابة ويتجاهل أن فهمي يرفع يده ويظل يسمح للآخرين بالاجابة أولا وتكون اجاباتهم خاطئة وأخيرا يسمح لفهمى بالاجابة و تكون أجابته صحيحة ، ويشير الاستاذ المنصور إلى فهمى بيده ليؤكد هذه هي الاجابة الصحيحة
وهكذا تحولت الحصة إلى استعراض لقدرات فهمى على الفهم والتحليل .
لم يكن فهمى يحب الميثاق ولم يكن له رأي متبلور فيه، ولكنه تعامل معه كمادة.
دراسية
وفي حصة التاريخ كان يضيف معلومات غير موجودة في الكتاب المدرسى وقال مرة للمدرس جرجس أنه قرأ هذه المعلومات في مجلة آخر ساعة ، فيقول له المدرس : اننا لا نأخذ معلوماتنا من مجلة آخر ساعة، والحقيقة فان المدرس لم يكن يعرف الا ما هو مكتوب في كتاب المدرسة ويكاد يحفظه تماما . وفي اللغة الانجليزية أعرب المدرس وقد كان على مستوى عال ويدرس لهم قصة دايفيد كوبر فيلد لتشارلز ديكز أعرب مرة
عن إعجابه بأسلوب فهمى فى الاجابة التحررية على الأسئلة في الامتحانات الشهرية. قال اكتبوا مثله انه يكتب جملا سهلة بسيطة : ( فاعل – فعل -مفعول ) . كان موقف المدرسين منه يزيده حماسة في الاقبال على استذكار الدروس . وقد كان للأستاذ (منصور) مبادرة تدل على عقليته التربوية الصحيحة ، انه ابتدع فرعا لیس مقرراً فى اللغة العربية، فبالاضافة لقسم الانشاء المنظم، طلب أن يأتي گل تلميذ بكراسة ويكتب فيها موضوعات حرة يختارها بنفسه ، وكانت هذه متعة أو لعبة فهمى ، فهو رئيس تحرير منذ سنوات ويكتب مقالات عديدة !! أبدع في كراسته و كتب موضوعات تفوق مستوى تفكير سنه، وقد بدأ يستعين بمكتبة والده العامرة، ولكن هذه الكراسة الخاصة بالانشاء الحر لا تدخل في تقييم الشهر . ولكنها كانت وسيلة الأستاذ منصور لتطوير مواهب الكتابة عند التلاميذ . وصل الأمر أن فهمى كتب مرة من ثورة مارتن لوثر كينج الزعيم الأمريكى الأسود ، وروى فى مرة أخرى قصة المسيرات الكبرى من غرب الى شرق الصين حتى انتصرت الثورة بقيادة ماوتسى تونج ..
بعد 15 عاما ألتقى فهمى فى الطريق بالاستاذ منصور وفرح به فرحا شديدا ولكنه صدم أن الأستاذ منصور يتعامل معه بفتور ولا يدرى ما هو السبب ؟ هل نسيه ؟
يتبع
