مظاهرات ضخمة في تونس احتجاجا على منظومة الحكم وتفاقم الأوضاع المعيشية

تسببت الانقطاعات المتكررة للكهرباء والمياه في تونس خلال موجة الحر في تعطيل الحياة اليومية والخدمات، وأثارت مخاوف على قطاعات حيوية مثل المستشفيات، وسط انتقادات ومطالب بإصلاح البنية التحتية.

وخرجت مظاهرات احتجاجاً على الأوضاع المعيشية ومنظومة الحكم الحالية بالتزامن مع الذكرى الـ69 لإعلان الجمهورية في تونس والذكرى الخامسة للإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيد بهدف ما قال إنه “إنقاذ للدولة”

وقد شهدت العاصمة التونسية، السبت الماضي، خروج مظاهرات ضخمة احتجاجا على منظومة الحكم وتفاقم الأوضاع المعيشية، بالتزامن مع الذكرى الخامسة “لاستئثار” الرئيس قيس سعيد  بالسلطة، وتزامنت الاحتجاجات مع موجة حر شديدة رافقها انقطاع متكرر للتيار الكهربائي، وأحيانا للمياه. وردد المشاركون هتافات من بينها: “الشعب يريد إسقاط النظام” و”لا ضوء، لا ماء، الحبس والغلاء”.

وتندد المعارضة ومنظمات غير حكومية بتراجع الحقوق والحريات في البلاد، وصدرت أحاكم مشدّدة بحبس كثر من المعارضين، كما اعتُقل عدد من الشخصيات السياسية والصحافيين والمحامين والناشطين، أو انتهى بهم الأمر في المنفى.

 وقال وسام الصغير، المتحدث باسم الحزب الجمهوري المعارض، في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية  “خرجنا اليوم لمحاسبة منظومة الحكم” والتنديد بـ”إخلالاتها”. ومن جهته، شدد الأكاديمي مولدي القسومي على أن “هذه المسيرة هي دعوة جماهيرية، دعوة مواطنية، من أجل استرجاع قيم الجمهورية ومبادئها”.

و فاز قيس سعيد في عام 2019 بالرئاسة بغالبية ساحقة بعد حملة تمحور خطابه فيها حول النزاهة والقطيعة مع الطبقة السياسية التقليدية، وفي 25 تموز/يوليو 2021، يوم عيد الجمهورية التونسية، جمد سعيد أعمال البرلمان واستأثر بالسلطات التنفيذية.

 وتشهد تونس انقطاعات في الكهرباء لتخفيف الضغط عن الشبكة التي لم تعد قادرة على تلبية الطلب، لا سيما بسبب أجهزة التكييف، وأجّجت هذه الانقطاعات الغضب والقلق، خصوصا في المستشفيات، ودعت المنظمة التونسية للأطباء السبت الماضي، الشبان إلى “التبرع بمراوح كهربائية لفائدة جميع أقسام الاستعجالي بمختلف المؤسسات الصحية” و”توفير الثلج الغذائي لاستعماله في تبريد المرضى المصابين بضربات الحرارة”.

كما دعت “جميع طلبة كليات الطب، وطلبة مدارس علوم وتقنيات الصحة والتمريض، بكامل تراب الجمهورية، إلى التطوع بأقسام الاستعجالي وأقسام المساعدة الطبية الاستعجالية”.

وكان رئيس المنظمة التونسية للأطباء الشبان وجيه ذكار أشار هذا الأسبوع إلى وفاة ما بين 150 و200 شخص بسبب موجة الحر في تونس في الأيام الأخيرة، استنادا إلى بيانات أطباء شبان، ولم تعلن السلطات أي حصيلة رسمية. وتعذر على وكالة الأنباء الفرنسية الحصول على رد من وزارة الصحة التونسية.

دعا نشطاء من المجتمع المدني وحركة النهضة الإسلامية في تونس إلى المشاركة في مسيرة للاحتجاج، مساء اليوم السبت، ضد سياسات الرئيس قيس سعيد، وضد تدهور الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، بحسب ما أوردته «وكالة الأنباء الألمانية» وصحف محلية.

وحثت حركة «نفس»، وهي مبادرة من المجتمع المدني، على المشاركة في المسيرة وسط العاصمة تحت شعار «يزي (يكفي) من العبث». وقالت الحركة، في بيان الدعوة للمسيرة: «خمس سنوات من الحكم الفردي أدت بنا إلى أن نعيش أزمات متراكمة تمس حياتنا اليومية».

ويعد هذا التحرك الاحتجاجي الأول منذ أسابيع، وهو يأتي في ظل تفاقم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، بسبب ارتفاع الأسعار، وتدني الخدمات العامة، وتعطل برامج توظيف المعطلين عن العمل ممن طالت بطالتهم.

ويحمل تاريخ السبت 25 يوليو (تموز) رمزية كبيرة لأنه يمثل عيد الجمهورية، وهو التاريخ نفسه الذي أعلن فيه الرئيس قيس سعيد التدابير الاستثنائيةفي 2021، منهياً العمل بالدستور، قبل أن يوسع صلاحياته في الحكم ويرسي نظاماً رئاسياً معززاً. وتتهم المعارضة الرئيس سعيد بتقويض أسس الديمقراطية وتقييد الحريات، بينما يردد سعيد بأنه يعمل على مكافحة الفساد والفوضى، والتصدي لمحاولات تفكيك الدولة من الداخل.

ويحتج منظمو المسيرة ضد الانقطاعات المتكررة للكهرباء، بينما تشهد البلاد موجة حر شديدة، الأمر الذي تسبب بأضرار للشركات الصغرى، إلى جانب اضطرابات في التزود بالمياه، وتدني الخدمات في القطاع الصحي وتدهور الوضع البيئي.

وطالبت حركة النهضة، أكبر الأحزاب المعارضة، في بيان لها، أنصارها بالمشاركة في المسيرة. وقال القيادي في الحركة عماد الخميري، لـ«وكالة الأنباء الألمانية»: «نحن الآن أبعد عن أي منجزات، والسلطة تفتقد رؤية، وهي عاجزة عن توفير الماء والكهرباء». وتابع الخميري موضحاً: «هناك استجابة سياسية لمبادرة (نفس). والتظاهر حق للمواطنين، ويأتي من أجل الدعوة لإيجاد مخرج سلمي للأزمة». وتطوي قرارات «25 يوليو» للرئيس سعيد سنتها الخامسة، بينما يلاحق العشرات من سياسيي المعارضة ونشطاء ورجال أعمال، بتهم «التآمر على أمن الدولة»، و«فساد مالي» والإرهاب. فيما تقول المعارضة إن القضايا ذات دوافع سياسية.

في غضون ذلك، يربط المحتجون في تونس بين الفشل في إدارة الملفات الخدمية والأزمة السياسية، حيث زادت معاناة التونسيين مع تكرار انقطاع التيار الكهربائي في ظل موجة الحر المتفاقمة، ونقص السلع الأساسية، وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل غير مسبوق.

واتهمت القوى المشاركة في الاحتجاجات حكومة قيس سعيد بالعجز عن معالجة الأزمات الاقتصادية، والتركيز بدلاً من ذلك على التضييق على الحريات، وملاحقة المعارضين والصحافيين والمحامين. فيما شددت القوى المعارضة، ومن بينها حركة النهضة، على ضرورة إيقاف المحاكمات السياسية، وإطلاق سراح المعتقلين الذين تحولت البلاد في عهدهم إلى ما يشبه «السجن المفتوح»، بحسب تعبيرها.

ويرى مراقبون أن ما يفاقم حالة الاستياء بين التونسيين في الوقت الراهن هو غياب الحلول الرسمية للأزمات المتلاحقة، حيث لم تقدم السلطات توضيحات واضحة حول أزمة الكهرباء، أو خططاً لإنقاذ الوضع الاقتصادي المتردي، الذي يثقل كاهل المواطن البسيط.

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة