كان فهمي يذهب إلى المدرسة السعيدية سيراً على الأقدام وهو يفعل ذلك باستمرار لتجنب المواصلات العامة المزدحمة ، وكانت المسيرة قرابة نصف ساعة ومن الطرائف أن كوبري عباس تم اغلاقه في هذا العام لهدمة واعادة بنائه ليصبح جسراً مر تفعا لا يحتاج للغلق والفتح حين تمر السفن ، فكان يركب معدية بقرش لعبور النهر ويكمل المشوار سيرا على الأقدام .
كان في الفصل طالبان سودانيان واهتم بمصادقتهما في اطار ميوله العربية ، وكذلك حاول أن يصادق طالبا من أوغندا وقد كان طيبا للغاية ولكنه شديد الخجل والانطواء وسأله فهمى عن سر انتشار الأسود في أوغندا ، وهل واجه أسدا فى حياته ؟ ابتسم الطالب ولم يجب !
وكان فى الفصل طالبا صعيديا من أسيوط متمسكا باللهجة الصعيدية في الحديث .
وكان الصعيد من المناطق التي لم يكتشفها فهمى فى مصر حتى ذلك التاريخ. فكانت هذه الصداقة بداية التعارف على جنوب الوادى ، وكان خلوقاً وقوى البنية وطويل القامة . وفعلاً كان السودانيان والصعيدي في دائرة شلة الاصدقاء وكانوا يتريضون جميعا معاً ومرة أمضوا يوما في حديقة الحيوان ، وكانت قريبة جداً من المدرسة .. وكان الأستاذ ميخائيل هو المدرس المسيحي
الثاني في حياته ، كان مدرس الفرنسية و كان جيداً جداً ، وتعلم منه الفرنسية كلغة ثانية بصورة معقولة ، كان خفيف الظل وكان فهمى يحب حصته . كذلك كان من زملاء الفصل من أصبح قاضياً ومن أصبح مساعد أول لوزير الخارجية . لم يكن فصلاً هينا أبدا ! كان قاض المستقبل خفيف الظل إلى أبعد حد، مثلاً كان يطفيء الأنوار ويطلب من الجميع ان يخفوا رؤسهم بين أيديهم على التختة الخاصة بهم ويغنون ما ما زمانها جاية جاية بعد شوية جايبة لعب وحاجات ) كان هذا يحدث بين الحصة والأخرى فيدخل مدرس الحصة التالية مذهولا من طلاب ثانوى يغنون ماما زمانها جايه ! ولكن يتوقف الغناء بمجرد دخوله ولا يصبح هناك مجال كى يلومهم . !
و من طرائف قاضى المستقبل انه في مرات عديدة كان يخفى البشاورة ( التي تمسح الطباشير على السبورة) وعندما يسأل عنها المدرس يقول ان الباشورة مع سعيد، ويصرخ سعيد ويقول : لا علم لى بالباشورة ولا أعلم أين هى؟ وقد تكرر هذا الموقف عشر أو 15 مرة وكان فهمى يستغرق في الضحك كل مرة.
-بعد سنوات كان فهى يتطلع للمجلات والكتب أمام مكتبة مدبولى في ميدان سليمان باشا
والتقى مع زميل الدراسة وفرح به جدا وسأله أين قذفت بك المقادير وماذا تعمل ؟ قال : أنا الآن قاضي بالمحكمة ، وتعجب فهمي، فالمقدمات لم تكن تؤد إلى هذه النتيجة وقال له دون مراعاة لتغير الحال : وهل مازلت تغلق الشبابيك وتطفى الأنوار فى المحكمة وتغنى : ما ما زمانها جاية ؟! وضحكنا ولكن لا يبدو ان القاضى كان سعيداً بهذه المداعبة .
والحقيقة فان فهمى حين يتذكر مثل هذه الذكريات لا يقلل من شأن الفكاهة والمرح بل يرى انها عنصر ضروري وحيوي في الحياة وبدونها تصبح الحياة كئيبة ومملة، وقد التقى فيما بعد مع اسلاميين يكرهون الضحك ويرون فيه خروجاً عن آداب الإسلام ، حتى انه عندما كان يعالج فى جلسات علاج طبيعي في أحد المراكز الطبية بعد أن أصبح ملتحيا ، لعلاج مشكلاته المزمنة فى العمود الفقرى ، فوجئ بالشخص المجاور له يقول : هذه أول مرة ألتقى مع شخص ملتحى ومتدين يبتسم ويضحك ويمرح مع الناس (يقصد فهمي)
والحقيقة كما فهم فيما بعد فى القرآن الكريم أن الله ذكر الضحك باعتباره من آيات الله “وأنه هو أضحك وأبكي وأنه هو أمات وأحيا النجم – ٤٢ – 44
وقد ورد الضحك ومشتقاته عشر مرات منهم خمس مرات بصورة ايجابية وخمس مرات بصورة سلبية وهي معجزة رقمية لم يلتفت اليها عبد الرزاق نوفل المختص بالاعجاز الرقمي فى القرآن ، ومن هذه المرات الايجابية ( فتبسم ضاحكا من قولها ) النمل – 19 ، حول تبسم سليمان من حديث النملة
وهذا الاحصاء قام به فهمي في شيخوخته ، وكان التحليل الموضوعي الرقمي للقرآن الكريم من خطوط أبحاثه، وقدم فيه الجديد من كنوز ومعانى القرآن لكن الاسلاميين في أغلبيتهم الساحقة لا يلتفتون لكتاباته ولا يعتبرونه اسلاميا إلا بصعوبة، فهو مجرد صحفى (جورنالجى) أو (سياسى) بالمعنى الدارج لكلمة سياسي .
المهم أن فهى يتذكر صديقة القاضي وغيره كثير ممن يمتلكون مهارة ادخال السرور والمرح على قلوب الآخرين يتذكرهم بالخير ويكن لهم كل تقدير كذلك يقدر الفنون. الكوميدية البريئة والنظيفة لا ذلك النوع المبتذل الذي انتشر فى أواخر القرن العشرين وأوائل القرن 21 في عالم الفن والمسرح ثم مسلسلات التلفزيون والأغاني
و من خلال متابعة فهمى للاعلام الغربي فقد اكتشف ان بعض كليات الطب بالغرب بدأت في تدريس وتعليم دور الضحك والمرح في معالجة بعض الأمراض الجسدية والنفسية وان هذا الاتجاه بدأ تنفيذه فعلا فى بعض المستشفيات. وخلال قراءاته فى التاريخ رأى أن المستشفيات فى زمن ازدهار الحضارة الاسلامية كانت تستخدم أسلوبا مبتكرا فى علاج نزلاء المستشفى بالترفيه عليهم بالموسيقى والشعر والانشاد الديني أو الخفيف .
المسألة المؤكدة ان الحالة النفسية للمريض
مهمة جداً للشفاء حتى بالنسبة للحالات المرضية الجسدية ، وأن من يتعرضون لهذه البرامج يتم شفاؤهم وخروجهم من المستشفى قبل غيرهم بـ ٤٨ ساعة كما ورد فى تجربة معاصرة أجريت على ألفى مريض فى اوروبا
وفن مرة من المرات التقى فهمى مع زميل بالدراسة بالسعيدية اصبح ضابطا كبيرا في الأمن المركزى.
كان معظم أصدقائه من الطبقات الاجتماعية الوسطى و لم يصادق أحداً من أبناء المترفين الا فى القليل النادر ، وهذا طبيعي فلم تكن قيم المترفين ممن له علاقة بهم تجذبه ولكن عموماً فى ذلك الزمان كان الأثرياء والمترفون قليلين فى المجتمع في ظل قرارات يوليو الاشتراكية.
ورغم أن عبد الناصر لم يكن من الحكام المنعمين والساعين إلى جمع المال ، ولكن لاشك أن أولاده عاشوا أحسن عيشة ، ويذكر فهمي انه عندما كان يذهب إلى شاطىء المعمورة كان يرى منطقة مغلقة في آخر الشاطئ وتظهر فيها فيلتان كبيرتان ، واحدة لعيد الناصر والأخرى لعبد الحكيم عامر. وكان يرى طائرة صغيرة مسيرة تحرك بالريموت كونترول وعندما سأل عنها قالوا له إن اولاد عبد االناصر يلعبون بها . .
من ملامح الأحداث فى المدرسة السعيدية ان ممثل الكوميدي الشهير أبو لمعة كان مدرس رسم بالمدرسة وفرح فهمى لهذا النبأ فهو يحبه حبا جما
ولكن الجميع حذروه لأنه شخص كشري وجد جداً ولا يقبل الهزار مع الطلبة. ولا يقبل الحديث عن حكاية ابو لمعة والخواجة بيجو التي يمثلها في الاذاعة والتلفزيون وقد رآه واقفا متجهما في طابور الصباح، ولم يكن له أي حصص معه. والله سلم .
يتبع
