وأضاف جمال عبد الناصر للسفير السوفيتى …
أنهم أبلغوه بعد الطلعة الأولى من مطار غرب القاهرة في الخامس من يونيو أن الخبراء السوفيت وبعد أن وصلوا إلى المطارات لإعداد ما بقى من طائرات سليمة وزودوها بالصواريخ – وأصدروا توصياتهم إلى قيادة المطارات بإقلاع هذه الطائرات لمواجهة طائرات العدو ، لكن أحدا لم يلتفت إلى هذه التعليمات ولم تقلع الطائرات حتى تعرضت المطارات للضربة الجوية الثانية من جانب الطائرات الإسرائيلية)
يسترجع فهمى ويتابع كل هذه الأحداث والتفاصيل ، رغم انه لم يتخصص فى ذلك البحث ، فقد كانت الأولوية عنده أن يساهم فى تغيير الواقع المؤلم الذي خلقه ذلك اليوم المشئوم 5 يونيو فكان في طريقه للبحث عن الثقافة الكلية لفهم طبيعة الصراع الداخلي والاقليمي والعالمي ولكن لاشك تجمعت لديه حصيلة كبيرة حول ماجرى يوم النكبة .
مثلا قرأ تقريراً عجيباً لضابط متقاعد باسمه الحقيقي عن
ماذا فعل حسنى مبارك يوم 5 يونيو وكيف هرب بطائرته إلى مطار الأقصر ثم تركها وظل يبيت في مكان خارج القاهرة حتى انتهت الحرب.
لم يكن فهمى أثناء تتبعه لكل هذه المعلومات المأسوية ليبكى أو يلطم الخدود أو يمزق ثيابه فقد أقسم بالله بينه وبين الله أن ينذر حياته من أجل محو هذا العار وأن يعيد مصر سيرتها الأولى. ولكنه مر في البداية بمرحلة استيعاب حجم المصيبة مع معرفته بالمزيد من التفاصيل، ليعرف أين يضع قدميه ؟
وبدأت تترى قصص العائدين من الجبهة فهذه خالته تاتو تتحدث عن معاناة ضابط شاب من أبناء إحدى صديقاتها ، وهو حديث التخرج من الكلية الحربية، وكان موقع كتيبته فى شرم الشيخ وكان يشكو من عنف القتال وأن الاسرائيليين ضربوهم بالنابالم . و صرخ فهمى ( هل هذا كلام محارب ماذا كان يتصور الحرب ؟ هل قال له أحد إنها نزهة)، ، وتواردت القصص عن إنسحاب الجيش المهزوم بلا قتال وكيف عاد سيرا على الأقدام لعدة أيام بعد أن ترك معداته وألقى أسلحته بما فى ذلك السلاح الشخصي الخفيف بعضهم خلع الملابس العسكرية حتى لا يقعوا فى الأسر وارتدوا جلابيب حصلوا عليها من سكان سيناء، وبعضهم سار بملابسه الداخلية : وبعضهم كان حافياً بلا حذاء والذين وصلوا لقناة السويس عبروا سباحة للضفة الغربية أو بقوارب صغيرة وكان الجيش الإسرائيلي على مدار الأيام الستة يتسلى على هذا الجيش المهزوم والذي هزم بدون حرب بسبب حماقة قادة الجيش. وأخذت التسلية شكل أسر بضع آلاف من الأحياء، وقتل آلاف أخرى فما كانت اسرائيل فى حاجة لأسر عشرات الألوف فماذا تفعل بهم و تم دفن الشهداء في مقابر جماعية ، أو أخذت التسلية شكل السماح لبعضهم بالهروب إلي الغرب مع اصطياد بعض الأفراد بالذخيرة الحية على سبيل التشفى والاستعراض . و حصلت اسرائيل على غنيمة لا تقدر بمال ، على كل الأسلحة الثقيلة والمتوسطة للجيش المصرى في سيناء وهو عمليا معظم تسليح الجيش، وظلت صواريخ القاهر – والظافر . والرائد رابضة فى الصحراء، وكانت صناعة مصرية بمساعدة خبراء ألمان لم ينطلق منها صاروخ واحد نحو اسرائيل . وكان من أسعد أيام فهمي في حياته أن رأى على التلفاز تجارب انطلاق هذه الصواريخ فى حضور عبد الناصروهو يرتدى نظارة شمسية ليتابعها. كانت كل هذه القصص تحفر أخاديد في قلبه وروحه وقد عبر الشاعر أحمد فؤاد نجم عن هذا الانسحاب بقصيدة مؤلمة غناها الشيخ إمام) : ( الحمد لله خبطنا تحت بططنا يا محلى رجعة ظباطنا من خط النار
بعد ما يسمى وقف إطلاق النار بأيام قليلة جاء سميح زوج أخت فهمى (جهاد) االطيار مرتديا بدلته الميرى الميدانية في زيارة قصيرة . وكانت جهاد تعيش في بيت والدها في فترة غياب زوجها في الحرب، وكان لفهمي علاقة صداقة وحب كبير مع سميح فأسرع خلفه وهو يدخل لغرفة جهاد، يحدوه الأمل أن يسمع منه ما يشفى الغليل أو يصبره ، ولكن بمجرد دخوله كان سميح يجلس على السرير بجوار زوجته ثم يجهش في البكاء ويضع رأسه بين يديه. لم يكن فهمى فى أي احتياج لإشارة أخته لكي ينسحب فورا من الغرفة ، وليتأكد أن المصيبة كانت عامة وكاملة وطامة وانه لا يوجد أحد يمكنه أن يتحدث عن أى بطولات أو معارك ايجابية . هؤلاء المقاتلون الأشاوس لقد خانتهم القيادة السياسية والعسكرية .
هو متأكد ان سميح لم يقصر، ولكن قيادته هي التي خانته كانت مصر مستباحة لمدة ٦ ساعات تتلقى ضربات اسرائيل بصدر رحب وبدون دفاع جوى في وقت تقول القيادة العليا إن موعد ه يونيو كان متوقعاً تماماً ، فهذه ليست دولة ، و هذا ليس قائدا .
كان يرى وهو لايزال في السادسة عشر من عمره ، قليل الثقافة والخبرة ، إن أخطر ما حدث فى هزبمة 67 ليس الهزيمة، فكل الجيوش في العالم تعرضت للهزيمة أحيانا، ولكن أخطر ما فيها ان جيشنا لم يحارب ، وصدر له الأمر بالانسحاب الارتجالي لمسافة طويلة حتى غرب القناة في منطقة صحراوية مكشوفة بدون طيران و بدون دفاع جوی .
كان مجرى التاريخ سيتغير اذا اتخذ قرار بالاندفاع داخل الأراضي الفلسطينية بدون غطاء جوى ، فطالما ان الطيران المصري ضرب ،
فإن الاشتباكات على الأرض تبطل مفعول سلاح الجو. وكانت هذه المبادرة إذا حدثت بالتسيق بين الجيش المصرى و الجيشين السوري والأردين ومع استثارة الشعب الفلسطينى كانت ستحول مجرى وسير الأحداث، وعلى أسوا الفروض لو هزم الجيش العربي على أرض فلسطين لكان ذلك أفضل
ألف مرة من الهروب الجبان الذي دمر قوى ومعنويات الجيش لسنوات . ولكن ما كان للجيش العربى أن يهزم وهو يتقدم على أرض فلسطين لأن مستويات الروح المعنوية كانت ستكون فى السماء، والفجوة التكنولوجية بين الجيشين ليست كبيرة جداً كما يزعم المسئولون المهزمون، وكانت ملايين الشعب المصرى على استعداد للتطوع والجهاد. لم يكن الانتصار الكامل مضموناً بالتأكيد ولكن كان يمكن الوصول. الى نقطة تعادل وتوازن على الأقل .
يتبع
