واكتشف فهمى بطبيعة الحال خلال القراءة اختلاف الظروف بين هذه الحرب العالمية أو تلك وحرب 67 مع اسرائيل وحتى منذ 1948، ولكنه قرر أن يتحلى بالصبر أثناء بحثه وأدرك، انه يأخذ كل هذه المعلومات التاريخية لتعطيه مادة للتفكير والفهم ، كما أدرك سريعا أن المشكلة ليست عسكرية فحسب بل هي سياسية اقتصادية فكرية ولذلك اتخذ قرارا عجيباً وهو أن يقوم بمسح كل كتب مكتبة والده أى قراءتها جميعا أيا كان موضوعها : دین – اقتصاد – تاريخ – سیاسة – فلسفة . وبدأ بأول الرفوف على اليمين في غرفة المكتب ، وبدأ يسحب كتابا كتاباً بالترتيب، ويدرس كل كتاب بمنتهى الجدية ولكن لا سبيل لذلك بدون الوصول إلى مرحلة القيام باقتباسات أو ملخصات لهذه الكتب .
وهكذا حسب ترتيب الرف الأول من اليمين بدأ بكتاب مترجم عن الحرب العالمية الأولى ثم كتاب الدكتور رفعت المحبوب : الاشتراكية العربية .. ولم يتوقع أنه ستكون له معارك معه شخصيا فى مرحلة تالية من عمره ولكنه قرأ الكتاب بمنتهى الجدية وهكذا .. و استمرت القراءة لعشرات السنين بعد ذلك ولكن ليس بترتيب الرفوف وليس من مكتبة والده فحسب ليس بمعنى انه كان يبحث عن الحقيقة الضائعة طوال هذه السنين ، بل انتقل من مرحلة إلى أخرى فى عملية تطور فكرى تدمج كل هذه المعلومات والمعارف فى نسيج واحد وهو يحسب أنه يتطور ليصبح أكثر نضجا .. أوهكذا يعتقد . ولكنه أدرك في كل المراحل أن العلم أو الفقه
هو الزاد والزواد والسلاح الأول لمواجهة الأعداء .
ظل طوال عمره من يونيو 1967 حتى آخر لحظة وهو يقترب من نهايته وقد تجاوز السبعين بعدة سنين لا يكف عن القراءة فى كل الأوضاع الممكنة وهو يأكل إذا كان وحيدا وقبل النوم والظهر وفى السيارة وفى أى وسيلة مواصلات وفى المصيف على البحر ويقرأ أكثر ما يقرأ وهو فى عطلات مزعومة للاستجمام أما فى السجون فحدث ولا حرج فهى فرصته العظمى للقراءة والكتابة إذا سمحت له إدارة السجن بذلك وكان يضرب عن الطعام إذا منعت عنه الكتب .
و عندما كان مجندا في الجيش حيث لا كهرباء كان يقرأ على ضوء القمر، أو على ضوء لمبة جاز . وفي السجون حين تمنع الكهرباء أحيانا يقرأ على بصيص نور ينبعث من الصالة الخارجية أو الممر الخارجي المتصل بالزنزانة، وعندما ظهر الانترنت جمع في القراءة بين الكتب والمجلات . وهو يقرأ بالانجليزية بصورة بطيئة ويلجأ إليها عند الضرورة لقراءة أي مادة جيدة في صحيقة أو كتاب غير مترجم للعربى، وعندما يوضع في عنابر مزدحمة بالمساجين لا يكف عن القراءة رغم الضجيج المحيط به ، وهو مع كل ذلك يرفض العزلة الكاملة ويحتفظ قدر الامكان بعلاقات اجتماعية وانسانية في الحياة العادية وفى السجون ، ولكن ليس على حساب أولوية العمل العام .
وهو يرى كقاعدة عامة أن من يريد التصدى للقيادة فى المجتمع فلابد أن يكون مثقفا أى قارئا للكتب الجادة . وقد أصبح على يقين من أن من أهم اسباب فشل النخبة السياسية
المصرية الاسلامية وغير اسلامية ) انها لا تهتم بالثقافة ( القراءة) حتى اكتفى كثير منهم بقراءة الصحف وسماع التلفاز . وهذا هو السبب الحوهري فى أنه يطلب أن يوضع في زنزانة انفرادية عندما يدخل السجن ، مع ارتباط ذلك بحب معية الله والاخلاص في العبادة .
في الأسابيع القليلة التالية للنكبة ، اندفع فهمى بقوة نحو إدراك أهمية العمل السياسى ، ولكن البناء بدأ يتصاعد ويتكامل مع الأيام
تحول بيت والده إلى خلية عمل ، وتدفق عليه عشرات من أعضاء حركة مصر الفتاة من الذين كانوا قد اعتزلوا السياسة ومن غيرهم من المثقفين ، كان أحمد قد تحول إلى شعلة غضب وثورة ، لقد ترك الحياة العامة والسياسة لعبد الناصر ، وكان عبد الناصر يقول أحيانا لبعض زواره انه ينفذ برنامج الاشتراكية للأستاذ أحمد . ولكن هكذا كانت النتيجة بعد عقدين من الزمان ، صفر كبير على الشمال، لقد انهار كل شئ ، وعادت مصر الى تحت الصفر ، عادت لتكون أرضها مرة أخرى تحت الاحتلال بعد مخازى هذه الحرب التي لم تكن حرباً أصلا .
كانت منتديات غرفة مكتب أحمد من أهم المصادر التى تغذى فكر وروح وكيان فهمي ، الا انه لم يستوعبها كلها بسبب ضيق مساحة غرفة مكتب والده ، وأيضا لأنه قام بإدارة منتديات موازية في غرفته أو فى مقاهى شوارع الروضة .
وتراجع عبد الناصر فى نظر فهمى حين قرأ له فى مكاتبات رسمية ودبلوماسية موافقته على
حرية الملاحة في قناة السويس لكل السفن بما فى ذلك ااسفن الاسرائيلية كحديثه لمجلة نيوزويك الأمريكية التى قرأها بنفسه . وهذه تنازلات لاسرائيل ربما لم يعد لها قيمة ، فبعد احتلال سيناء كلها والضفة الغربية والقدس فماذا بقى للبكاء عليه .
، هل يجد الوعد بإعادة حرية الملاحة فى قناة السويس لا ستعادة سيناء المضيعة بعد أن رمت الهزيمة نظام عبد الناصر نفسه إلى شفير الهاوية
بل اكتشف فهمى أن عبد الناصر كان قبل ذلك قد أصدر أوامره إلى حرس سواحل شرم الشيخ بعدم توقيف أو تفتيش السفن التى تمر من مضيق تيران ، بل قال عبد الناصر أيضا إن القوات المسلحة المصرية يجب ألا ترد على إطلاق النار من جانب السفن الحربية الأمريكية والانجليزية إلا بعد موافقته هو بصورة شخصية بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة . و قال إنه اتخذ هذا القرار تفادياً لحدوث صدام خطير ينشب نتيجة عصبية التسرع .
ولكن اسرائيل لم تأبه لكن هذه التنازلات فقد كانت قد توصلت إلى التفاهم مع أمريكا لشن الحرب، وقد أعطاهم ناصر الفرصة بتصرفاته الرعناء دون أى استعداد عسكري جدى عندما أغلق مضيق تيران وحشد قواته في سيئا، وهو غير مستعد للحرب.
يتبع
