تقع المدرسة السعيدية على بعد خطوات قليلة من جامعة القاهرة .. وفي أحد الأيام سمع تلاميذ المدرسة بأنباء عن اندلاع مظاهرات عارمة بالجامعة ، سألوا لماذا ؟ قيل الطلاب غاضبون من الأحكام المخففة التى صدرت على قادة الطيران وعلى رأسهم الفريق صدقى والتي لم تتجاوز 15 سنة سجن، اندلعت المظاهرات أولا فى
مصانع حلوان خاصة المصانع الحربية ، وحلوان من معاقل الثورة ( ٢٣ يوليو). وعمالها كانوا من أشد الناس حزنا من الهزيمة . ثم انتقلت الشرارة إلى جامعة القاهرة ثم انتقلت إلى جامعة عين شمس، و انتقلت المظاهرات من جامعة القاهرةإلى تلاميذ المدرسة السعيدية وكانوا لم ينتظموا بعد في الطابور الصباحى استعداداً للذهاب إلى الفصول لم يحتج فهمى للقيام بأى مجهود لاقناع التلاميذ بترك المدرسة والانضمام لمظاهرات جامعة القاهرة خاصة وأن باب المدرسة كان لا يزال مفتوحاً، فانطلق التلاميذ إلى الشارع فى اتجاه جامعة القاهرة القريبة . وقف صف من بلوكات النظام مسلحين بالعصى والدروع للحيلولة بين تلاميذ السعيدية وبين الالتحاق بطلاب جامعة القاهرة ، فانتصر عليهم التلاميذ بالحجارة ، تفرق صف الجنود وولى هارباً وزحف أبناء السعيدية والتحموا بطلاب الجامعة .
التحم طلاب السعيدية بمسيرتهم مع من خرج من طلاب الجامعة وكانت قد خرجت إلى بدايات شارع الجامعة المؤدي إلى الجيزة ولكنها لم تستهدف الوصول إلى ميدان الجيزة بل كانت تعود للتمركز في ميدان الجامعة حيث يوجد النصب التذكاري الشعبي، كانت الهتافات تقول “أنور أنور يا سادات … أي قانون الحريات؟” وكان أنور السادات رئيس مجلس الأمة فى ذلك الوقت وتقول فى هتاف آخر : “أدونا سلاح أدونا… وعلى سينـا ودونـا” وهنا اشتعلت المواجهات عندما وقف طابورجنود الأمن بأسلحة من الحجرة والغاز المسيل للدموع . وتأكد فهمى من الشعارات أن حركة طلاب الجامعة متوافقة مع موقفه.
لكنها لم تكن معركة هتافات، بل معركة اشتباك بالحجارة، فقوات النظام (قوات مكافحة الشغب) تستهدف إدخال طلاب الجامعة إلى داخل الحرم الجامعي حتى لا يتاح لهم السير فى الشارع، والطلاب يضربون الجنود بالحجارة والجنود يردون بالحجارة أيضاً وبقنابل الغاز المسيل للدموع، وكانت قوات الأمن متمركزة من بداية حديقة الأورمان المؤدية لكوبري الجامعة حتى الطريق إلى وسط الجيزة، والمظاهرات أصبحت ذات طبيعة صدامية فخرجت من الحرم الجامعي، و شارع الجامعة الذي التقت فيه مع طلاب السعيدية . كانت المعركة حامية الوطيس وهي أول تجربة يعيشها فهمي بل أول تجربة تشهدها البلاد منذ نهاية أزمة عام 1954، وكان صوت الحجارة المتطايرة يصطدم بأعمدة الإنارة ويحدث دوياً هائلاً يضفي على الموقعة رهبة كبيرة وكأنها طلقات نارية بالإضافة لقنابل الصوت والقنابل المسيلة للدموع، وكانت الجبهة التي مثلتها مسيرة السعيدية قد خففت العبء عن الجمع المتظاهر الذى لا يريد التراجع باتجاه الدخول للحرم، وتشتت رجال الأمن، وأصبحوا يقذفون بالحجارة في الاتجاهين.
ووصلت مظاهرة السعيدية مع بعض طلاب الجامعة إلى الميدان الفسيح أمام الجامعة الذى يتوسطه النصب التذكارى لشهداء الحركة الطلابية عام 1946 وأصبحت كلية الهندسة الواقعة خارج الحرم على اتصال بهم وعلم تلاميذ السعيدية أن طلاب الهندسة معتصمون داخل الكلية، وكانت هناك سيارات متوقفة أمام باب الكلية في الميدان ، فتفتق ذهن بعض المتظاهرين أن يستغلوا إحدى هذه السيارات كدرع لمواجهة الجنود مع الاحتماء خلفها حتى يستطيعوا الاقتراب المتدرج وإحكام تصويب الحجارة، واستخدموا سيارة فاخرة ، ولكن بعض المتظاهرين الآخرين هتفوا: “لا تستخدوا السيارة، هذه السيارة ملك للشعب”، وتعرضوها للأذى . واستجاب المتظاهرون فورا وسحبوا السيارة وأعادوها إلى مكانها السابق واستمرت المعركة وكان طلاب الجامعة يواصلون محاولاتهم للخروج من الحرم إلى ميدان الجامعة ثم يقوم الجنود بردهم على أعقابهم، كانت معركة كر وفر بينما مظاهرة السعيدية ثابتة في موقفها أمام كلية الهندسة، وعلى يسار الجنود وعلى مقربة منهم ولكنهم كانوا مشغولين أكثر بمواجهة الخزان الرئيسي القادم من الحرم.
وتحاور طلاب السعيدية في الأثناء -هل ندخل كلية الهندسة ونلتحق بالاعتصام، أم نحاول الالتحاق بالحرم الرئيسى، بينما رأى أخرون أن القتال في الشارع أهم وأجدى.
يتبع
