كان فهمى لا يزال يتلمس طريقه في الحياة السياسية والفكرية بالجامعة ويتحسس مواقع أقدامه وكان هذا من الحكمة فلم يسمع له أحد صوتاً ، ولكنه كان كثير وكثيف الأحاديث واللقاءات مع ممثلى مختلف التيارات الفكرية . وبعد فترة بدأ نشاطه بمجلة حائط كتبها لوحده ، وكان موضوعها الرئيسي حول الغزو السوفيتى لتشيكوسلوفاكيا ، وحصل على موافقة د. محيي الدين الغريب المسئول في مجال الاشراف على اتحاد الطلاب والذي أصبح وزيرا للاقتصاد فى عهد مبارك وتم تعليق المجلة في بهو الكلية وكان الاقبال عليها في المستوى المتوسط ولم يكن هناك غيرها فى البهو لفترة من الزمن .. حتى أصدر رزة مجلة حائط عن الصين وكوريا الشمالية الشيوعية !!
تعجب فهمى من رزة زميله فى الصف الأول وقال لاشك ان لديه لسعة من جنون ، فحتى ان كان شيوعيا فالمهم أن تتحدث المجلة عن مصر ومشكلاتها، أما الذي أثار حفيظته أكثر أنه كان يضع ” بادج” معدنيا على صدره يحمل صورة الزعيم الصينى ما وتسى تونج. ولهذه الغرابة جذبت مجلته جمهور الطلاب، دون أن يتأثروا بالمضمون بطبيعة الحال .
رزة سيصبح صديقاً لفهمى عندما تجمعهما القضايا الوطنية المصرية ولكن في هذا العام الأول لم يتشجع فهمى للحوار معه، لأنه وجد ممثلين للتيار الماركسي أو الالحادي أكثر عقلانية ، كما وجد صديقاً ناصرياً ، وصديقا إسلامياً ، ولكنه لم يجد أبدا أى طالب ليبرالى سوى نفسه !! فهناك أزمة تاريخية لهذا التيار في البلاد ، قد
تجد معجبين كثر بأمريكا، ولكنهم لا يسعون ولا يناضلون من أجل نظام ليبرالى / رأسمالي : ولا تزال هذه الأزمة قائمة حتى العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. استطاع فهمى أن يجد لغة مشتركة مع الزميل الناصرى فى إطار المساحة المشتركة
وهى الموقف من العدو الاسرائيلي الأمريكي وسعد بوجود اسلامي في الصف الرابع وأقام معه صداقة على الواقف حيث لم يدعوه (خلاف) أبدا للجلوس في الكافتريا لاجراء حوار معمق ، كان مهذباً جداً وانيقا جدا يرتدي بدلاً لم ير فهمى مثلها في الشكل واللون, دعاه مرة لحضور محاضرة للشيخ الغزالي فى إطار نشاط جمعية حديث الروح فلبى الدعوة ، وكان المدرج ممتلئا على آخره، ولكن المحاضرة لم تشده حتى إنه لم يبق فى ذهنه أى شىء منها وان كان قد أحب الشيخ الغزالى بعد عدة عقود والتقى به واستفاد من كتاباته، وكان يكتب في صحيفة حزبه” الجماهير ” . ومع ذلك فلم تجذبه هذه المحاضرة كما أن خلاف – الذى أصبح فيما بعد مساعدا لوزير الخارجية – لم يدعوه لأي نشاط آخر ، وعلق مرة صحيفة حائط باسم حديث الروح ولكنه لم يدعوه للكتابة فيها . هذه واقعة مهمة ، لأنها تروى كيف كان الطريق موصدا بينه وبين التيار الإسلامي في ذلك الوقت ،بل لقد ثبت ان التيار الاسلامي لم يكن قد تبلور بعد في الجامعة أو خارجها.
کمال هو الذي جذبه للحوار وهو أيضا كان بالصف الرابع علوم سياسية فأعطى وقتا أطول معه ، أما الناصري الرسمي وكان يوصف بأنه بتاع الاتحاد الاشتراكي والأمن وكان أيضا فى الصف الرابع، واكتفى فهمي بمصافحته والسلام عليه دون كلام ! وأصبح فيما بعد رئساً لتحرير صحيفة الخبر في عهد مبارك.. وكانت علاقته بأجهزة الأمن واضحة ، واشتهر بواقعة نشر صورة قسيس في الصعيد في وضع مخل داخل مذبح الكنيسة ، وهو الامر الذي فجر ثورة في الكنيسة أدت إلى حبس هذا الصحفى نفسه حتى توفاه الله فى أحد المستشفيات ( وهو سجين)، وكانت هذه الصورة ونشرها من علامات .
السياسة الأمنية الخاطئة فأجهزة الأمن كان لها تحفظات على سياسات البابا شنوده وسعيه لاقامة دولة داخل الدولة في الكنيسة، وهذه التحفظات صحيحة ولكم ليس هذا هو أسلوب محاربتها ، كما رأى فهمى ، ولكن بالوسائل السياسية السليمة وعن طريق الأحزاب و القوى السياسية الرشيدة. وليس بهذه الممارسات الفضائحية. وقد استفاد البابا من هذه الفضيحة، اذ قامت كل الهيئات والمؤسسات باستنكار موقف الجريدة وساندت البابا و الكنيسة ، و قام نافع نقيب الصحفيين بجمع مجلس النقابة كله للاعتذار للبابا ، وكان فهمى فى ذاك الوقت عضوا بمجلس النقابة وذهب معهم فهو لم يكن موافقاً على سلوك الصحيفة باعتباره ليس الأسلوب الصحيح لمواجهة أى مشكلة مع الكنيسة .
كانت الكلية مليئة بشخصيات اشتهرت فيما بعد فى عالم السياسة والصحافة ، كان. منها حموده الذي جلس فهمى معه في الكافتيريا مرة واحدة ، ولم يجد الطريق مفتوحا معه لأي حوار جاد وهو لم يكن مصنفاً بين التيارات الفكرية ولم يره مرة أخرى رغم انه كان في الصف الثانى أى أمضى معه ٣ سنوات
وتخرج من الكلية هدى عبد الناصر وزوجها حاتم صادق و مصطفى الفقى وهؤلاء تخرجوا قبل دخول فهمى الكلية . سيلتقى فهمى بهدى عبد الناصر فى لقاء عابر لمرة واحدة ، وسيلتقي مراراً بالفقى ،بعد عقدين من الزمان .
يتبع !
