الرجل الذى ظن أنه هو العاشق الوحيد لمصر – رواية لمجدى حسين 59 – حوارات مع الملحدين واصطدام مبكر بفرج فودة

كان كمال الذي ظن فهمى أنه ماركسى هو أكثر من جذبه فى كلية الاقتصاد للحديث معه، وكمال أيضا كان مقبلا عليه ، كان فهمى وظل طول عمره ينجذب للأذكياء ولا يكره أكثر من الأغبياء فالحوار مع شخص ذکی عاقل فاهم مثقف سيكون مفيداً فى كل الأحوال، ومع الغبى والأحمق سيكون مضيعة للوقت، بل قد يؤدى الحوار معه إلى مالا يحمد عقباه.
وتكرر حواره مع كمال على الكافيتريا . ولكنه تبين من خلال الحوار أنه غير مارکسی، وغير مشغول بقضايا الشيوعية، ولا يعرف كيف انزلق الحوار معه إلى مسألة الدين والغيب ، ولا مانع عنده من ولوج هذا الطريق الخطر، طالما أن المتحدث مهذب ويراعى مشاعره الدينية ، كما أنه آلى على نفسه أن يدرس مواقف كل التيارات الفكرية، وهو لم يقرأ أى شئ عن الإلحاد فلماذا لا يفهمه ؟ كان كمال يتحدث عن دور العقل كمرجعية للانسان، وانه يدرس ويحلل مايراه ، ويتجنب مالا يراه، وإنه حتى وإن رفض رؤية الأديان السماوية ورسالة الانبياء الا انه يؤمن بضرورة وجود إله أو قوة مركزية عاقلة مريدة فاعلة تدير هذا الكون فهو لا يمكن أن يدور هكذا بالصدفة أوما بما يسميه الماركسيون قانون الضرورة والصدفة ، وجد فهمى في هذا الحديث نقطة انطلاق يمكن تطويرها ولكنه ظل مشغولا بالاستماع أكثرمن الحوار والجدال ، لم يستهدفت تغيير مواقف كمال .


ولكن كان مشغولا بزيادة معرفته بآراء التيارات المختلفة ، وكان يسجل هذه الحوارات في مذكراته الشخصية بدون تعليق، وان كان الحوار كشف أن كمال ليس واسع الثقافة ، وليس ماركسيا، وليس ملحداً تقليديا، ولكنه ظل انساناً ذكيا يحاول أن يستخدم عقله، ويعلق على الأحداث مع متابعة دائمة الاعلام.
وكان يمكن للعلاقة أن تنتهى لانه سيتخرج في نفس العام، ولكنه دعاه لتمضية أسبوع معه في بلدته شربين بالدقهلية ، ورحب فهمى وبالفعل كان أسبوعا ثرياً بالحوار ليس على المستوى الثنائي فحسب ولكن مع مجتمع المثقفين فى شرين في منتديات منزلية أو بالتريض على شاطىء النيل فرع دمياط . فى إحدى الليالى كانا في الشرفة وأمامهما مسجد ، فقال له : هذا مسجد الشيخ الولى وتؤمن جماهير المؤمنين بكراماته ومعجزاته رغم وفاته ولذلك يقبلون على زيارة ضريحه. وفى إحدى الليالى أصابت المسجد والضريح صاعقة من السماء يقول كمال : قلت لا بد أن تنتهى أسطورة الشيخ، ولكنه – كما يقول – فوجىء بالناس تقول إن الشيخ لما وجد الصاعقة ستدهم البلدة مد يده ليأ خذها ناحيته وفى صدره ليحمى البلد من ويلاتها، وهكذا .. مفيش فايدة سيظل الناس على معتقداتهم
ورغم أن هذه الواقعة – ان صحت – فلها طرافتها ، إلا أن فهمي قال له : ان الغيب ليس هذه الخزعبلات ، إن الغيب الحقيقي هو الله وملائكته وأن هذه الرسل من عنده تعالى وبالتالى الايمان بالغيب يعني كل ذلك وبكل ما جاءت به الرسل والأنبياء ويوم القيامة .
وفي إحدى الأمسيات فى بيت أحد من أصدقاء كمال تعرف فهمى على فرج فوده الذي كان يروى للحاضرين بطولاته في السجن عقب مظاهرات ١٩٦٨ . رغم أنه حسب روايته لم يتعرض لأى تعذيب ، إلا تعصيب عينيه لفترة ما . ولكن لاشك كان محدثاً لبقاً يجذب الحاضرين وان لا حظ بعض الحاضرين فيما بعد انه يبالغ بقصة سجنه .
وفي لقاء آخر كان سريعا وعابرا التقى فهمي وكمال مع فرج فوده و جلسا معه لدقائق ، وعرج الحديث العشوائي إلى واقعة فى السيرة النبوية الشريفة فإذا بفوده يتلفظ بكلمة بذيئة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتجمعت الدماء فى رأس فهمى ، وهم بالرد عليه بكلام عنيف ، ولكنه رجح القيام الفوري من الجلسة . وأثناء السير مع كمال قال له : إننى لا أريد أن ألتقى بهذا الشخص مرة أخرى


حتى أغادر شربين، وتعهد له كمال بذلك والتزم فعلا.
بعد قرابة ١٨ عاماً – أى فى منتصف الثمانينيات، ظهر شخص اسمه فرج فوده يدعو لحزب جديد اسمه (المستقبل) وبدأ يصوره كحزب ليبرالى وبدأ يصعد نقده للدين والتيار الاسلامى . وكان في اطار حملة العلاقات العامة يتردد على د. مراد خال فهمي والذي أصبح أمين عام الحزب الاشتراكي ، والتقى فهمى بالدكتور مراد وحذره من الانفتاح على فرج فوده ، وقال له إن حزب المستقبل هذا لا مستقبل له فقال مراد لماذا تقول هذا ؟ روى فهمى قصته مع فرج فوده وقد تأكد من أنه نفس الشخص الذي التقى به من قبل من أسلوبه المبتذل والمستخف بالدين تحت ستار مهاجمة الجماعات الاسلامية والتيار الإسلامي
في عام ١٩٨٧ تأكد فهمى أنه لم يخطئ ، وان ما يسمى رئيس حزب المستقبل هو نفسه الشخص الذي التقاه ١٩٦٨، وكان لديه بعض الشك لأنه قد لا يكون يتذكر الاسم جيدا ولا حتى الشكل الذى يراه فى الصحف لانه جلس معه لفترة قصيرة منذ قرابة عقدين من الزمان .
في انتخابات مجلس الشعب لعام ١٩٨٧ بنظام القائمة كان فهمى مرشحاً على رأس قائمة التحالف الإسلامي في دائرة شمال القاهرة ، وكان يتابع الفرز فى قسم شبرا عندما دخل فرج فودة – وكان مرشحاً مستقلا فى نفس الدائرة – وعرف نفسه للحاضرين وأخذ يتابع عملية الفرز . وأقبل فودة عليه وقال له : فاكر شربين يا فهمى ، فقال له بنغمة خاصة لم يفهمها فودة : طبعا فاكر ! واطمئن فهمى أن ما ذكره للدكتور مراد كان صحيحا تماما .
اكتشف فودة من العينات من بعض الصناديق انه يحصل على أصوات قليلة تجعله خارج المنافسة فانسحب سريعا ولم يكن له أى مندوب ، هو كان يعول على أصوات المسيحيين، ولكنهم لم يلتفتوا له ولم توجه الكنيسة لانتخابه . بينما نجح فهمى ودخل مجلس الشعب .

يتبع

اترك تعليقاً