أثار ما بثته قناة /الجزيرة/، ضمن حلقة برنامج “ما خفي أعظم” بعنوان “الضيف”، مساء الجمعة الماضية، من معلومات ووثائق تتعلق بالقائد العام السابق لـ”كتائب القسام”، الشهيد محمد الضيف، وتفاصيل الإعداد لعملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023، تفاعلاً واسعاً بين كتاب ومحللين سياسيين، رأوا أن المعطيات المعروضة تقدم رواية عن السياقات التاريخية والسياسية والعسكرية التي سبقت العملية، وتكشف جوانب تتعلق بآلية اتخاذ القرار وأهدافه وطبيعة التحضيرات التي رافقته.
واعتبر عدد من المتفاعلين أن أبرز ما كشفته الحلقة يتمثل في أن قرار العملية لم يكن فردياً أو محصوراً في دائرة ضيقة، وإنما جاء بعد مشاورات وتخطيط على مستوى القيادة العسكرية، إلى جانب تسليط الضوء على ارتباط القرار بملفات فلسطينية مركزية، وفي مقدمتها المسجد الأقصى والأسرى، فضلاً عن سنوات من الإعداد وتراكم الخبرات العسكرية.
وقال الكاتب والمحلل السياسي، إياد القرا، إن ما بثته “الجزيرة” في فيلم “الضيف” لم يكن مجرد استعراض لسيرة محمد الضيف، وإنما قدم سردية سياسية وتاريخية مفادها أن عملية “طوفان الأقصى” لم تكن قراراً ارتجالياً أو حدثاً معزولاً، بل جاءت في سياق أربعة عقود من العمل المقاوم، وارتبطت بقضايا وطنية ظلت حاضرة في صدارة الأولويات الفلسطينية.
وأوضح القرا أن الفيلم حمل خمس رسائل أساسية؛ أولها ارتباط تجربة الضيف بمسار تطور العمل المقاوم الفلسطيني على مدار أربعة عقود، وما رافقه من تراكم للخبرات والقدرات، وثانيها التأكيد على وحدة القضية الفلسطينية والترابط بين غزة والضفة الغربية، رغم محاولات الفصل الجغرافي والسياسي بينهما.
وأضاف أن الرسالة الثالثة تتعلق بمركزية القدس والمسجد الأقصى والأسرى ومواجهة الاستيطان ضمن أولويات العمل الفلسطيني، فيما تمثلت الرابعة في إبراز مسار طويل من التخطيط والإعداد وتطوير القدرات، أما الخامسة فتتصل بطبيعة قرار “طوفان الأقصى”، الذي قدمه الفيلم باعتباره نتاج مشاورات وتقديرات وتحضيرات جماعية، وليس قراراً فردياً أو انفعالياً.
وأشار القرا إلى أن الفيلم لم يقدم محمد الضيف باعتباره شخصية منفصلة عن تاريخ القضية الفلسطينية، وإنما بوصفه جزءاً من مسار ممتد تتداخل فيه التجربة الشخصية مع التحولات السياسية والميدانية، معتبراً أن أهم ما يطرحه هو نقل النقاش من سؤال ما جرى في السابع من أكتوبر إلى بحث السياقات التاريخية والسياسية التي قادت إلى اتخاذ القرار.
من جانبه، رأى الكاتب والمحلل السياسي، سعيد الحاج، أن ما عرضته الحلقة يتجاوز أهمية التوثيق إلى تقديم دلالات سياسية وعسكرية تستحق التوقف عندها، مشيراً إلى أن أبرزها أن قرار “طوفان الأقصى” لم يكن فردياً، ولم يصدر عن دائرة ضيقة، كما روجت بعض القراءات السابقة.
وأوضح الحاج أن المعطيات المعروضة تؤكد أن القرار خضع للنقاش والتقدير والتخطيط الجماعي على مستوى القيادة العسكرية في قطاع غزة، معتبراً أن حضور شخصية مثل محمد الضيف، بما تمثله من مكانة ودور عسكري، يجعل استبعادها من آلية اتخاذ القرار أمراً غير منطقي.
وفي قراءته لأهداف العملية، لفت إلى أن الوثائق المعروضة حددت هدفها الأساسي بـ”القضاء على فرقة غزة”، إلى جانب أسر أكبر عدد ممكن من الجنود لاستخدامهم في عمليات التبادل، معتبراً أن ذلك يشير إلى أن الخطة الأصلية كانت أكثر تحديداً وانضباطاً، وأن التوسع الذي شهدته العمليات ارتبط بتطورات التنفيذ والانهيار الأمني لدى الاحتلال، وما رافقه من مشاركة مدنيين وبعض الفصائل والكوادر، وأضاف أن خطاب محمد الضيف يوم العملية يُفهم، وفق هذه المعطيات، في إطار التعبئة والتحشيد للعملية، وليس باعتباره إعلاناً عن معركة نهائية أو عملية تحرير شاملة.
وتوقف الحاج عند ما كشفته الوثائق بشأن إمكانية إلغاء العملية بعد اتخاذ القرار، وليس تأجيلها فحسب، في حال تراجعت الانتهاكات الإسرائيلية بحق المسجد الأقصى والأسرى، معتبراً أن ذلك يعكس ارتباط القرار بأهداف فلسطينية وسياسية محددة.
وفيما يتعلق بتداعيات العملية، أوضح أن الوثائق أشارت إلى توقع رد إسرائيلي كبير وعنيف، والاستعداد لاتخاذ إجراءات لمواجهته، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني بالضرورة توقع حرب الإبادة بالصورة التي شهدها قطاع غزة لاحقاً، محذراً من تقييم التقديرات السابقة بمعزل عن ظروفها، أو إخضاعها لأحكام بأثر رجعي.
كما أثار الحاج تساؤلات بشأن التقديرات العسكرية المتعلقة بفاعلية قذائف “الياسين” في مواجهة دبابات “ميركافا” الإسرائيلية، وما إذا كانت نتائج استخدامها قد تأثرت بتطورات تقنية أو بعوامل ميدانية مختلفة، واعتبر أن ما أظهرته الحلقة من تعامل قيادات الحركة، ومن بينهم إسماعيل هنية ويحيى السنوار، مع محمد الضيف، يعكس حجم التقدير الذي حظي به، إلى جانب ما وصفه بالتواضع والثقة والمحبة الأخوية ووحدة الهدف.
بدوره، قال الكاتب محمد المطر إن ما كشفه البرنامج عن يحيى السنوار ومحمد الضيف، رحمهما الله، وعن قيادات حركة “حماس”، يقدم جانباً من تجربة رجال لم يكتفوا بالشعارات والخطابات، وإنما ترجموا قناعاتهم إلى مواقف وعمل وتضحيات ميدانية وصفها بأنها بالغة الصعوبة.
وأضاف أن هؤلاء جسدوا، وفق تعبيره، نموذجاً للثبات والإقدام، وكان لهم أثر بارز في مسار المقاومة، معتبراً أن التاريخ لا تصنعه الكلمات وحدها، وإنما المواقف والأفعال، وأن من طعنوا في شخصياتهم وتجربتهم لا يمكن مساواتهم بمن قدموا التضحيات على أرض الواقع.
من جهته، أكد الكاتب والمحلل السياسي، طارق حمود، أن ما عرضه برنامج “ما خفي أعظم” على قناة “الجزيرة” يكتسب أهمية كبيرة بالنظر إلى المعلومات المتعلقة بعملية السابع من أكتوبر، ولا سيما ما يتصل بنطاق اتخاذ القرار والهدف الأساسي للعملية.
وأوضح حمود أن المعطيات أظهرت أن دائرة اتخاذ القرار كانت أوسع مما توقعه كثيرون، وأنها مرت بمسار مؤسسي على المستوى العسكري، مشيراً إلى أن المحضر المنشور حدد الهدف بـ”إسقاط فرقة غزة” وأسر جنود، فيما يبدو أن التوسع العملياتي ارتبط بتطورات الميدان والانهيار الأمني الإسرائيلي خلال الساعات الأولى للعملية.
وكانت قناة /الجزيرة/ قد عرضت، أمس، فيلماً وثائقياً بعنوان “الضيف”، ضمن برنامجها الاستقصائي “ما خفي أعظم”، تناول سيرة القائد العام السابق لـ”كتائب القسام”، محمد الضيف، ومحطات من مسيرته العسكرية، إلى جانب تفاصيل ووثائق تتعلق بالإعداد لعملية “طوفان الأقصى” التي نفذتها المقاومة الفلسطينية في 7 أكتوبر 2023، وآليات اتخاذ القرار وأهداف العملية.
