كتب مجدى حسين – لايزال الموقف فى تونس دقيقا للغاية ومفتوحا على كل الاحتمالات لأنه لايوجد طرف واحد قوى قادر على حسم الأمور ولأن كل الأطراف تسلم نفسها للحكم الامريكى الاوروبى. وكل الأطراف تحلل على أساس النموذج المصرى وما حدث فيه فى 30 يونيو 2013 والحقيقة توجد فروق جوهرية بين الوضع فى كلا البلدين . فالمؤيدون لقرارات الرئيس التونسى والمعارضون على السواء خارج تونس يكررون نفس الحجج والتحليلات التى قيلت ولا تزال فى مصر . وكما ذكرت فإن المؤسسة العسكرية فى تونس لايمكن مقارنتها بالمؤسسة العسكرية المصرية من حيث القوة والحجم والتأثير والتغلغل فى بنية الدولة على مدار عشرات السنين ، كذلك فلاتوجد قوة سياسية قادرة على الحسم وعلى أن تكون بديلا للنهضة ، والنهضة أكبر حزب سياسى وهذا هو وجه الشبه الوحيد مع مصر، ولكنه ضعيف بمواقفه الخائرة ربما أكثر من اخوان مصر ، لا أقصد الضعف تجاه مؤسسات الدولة ، بل الضعف تجاه أمريكا وأوروبا . وأيضا داخل تونس فإن السيناريو يتكرر من قبل الأطراف تقليدا للنموذج المصرى . فحزب النهضة يتوسل بالأمريكان والاوروبيين ولعل هذا هو سبب عدم التصعيد الجماهيرى الذى يحدث بصورة آلية فى كل مكان فى العالم حين تغلق الدبابات مقر البرلمان ! وقد أجرى الغنوشى عديدا من المقابلات الصحفية مع صحف أسبانية وايطالية وأخيرا كتب مقالا فى صحيفة أمريكا الأولى نيويورك تايمز يطالب الغرب بإنقاذ تونس وكذلك صرح أحد قيادى النهضة محذرا بلاد أوروبا خاصة الواقعة على البحر المتوسط من أنها ستعانى من آثار التحول فى تونس وكأنه يهدد بتدفق اللاجئين عليها . وهذه لهجة مزرية لا تليق باسلاميين مجاهدين ولا ثوار . والحقيقة ان لهجة الأمريكان مختلفة هذه المرة وقد بدأوا يضغطون أكثر مما فعلوا فى مصر أيام 30 يونيو ، وبدأوا يقولون مطالب واضحة محددة : عودة البرلمان للعمل . وتحدث سوليفان مسئول الامن القومى مع الرئيس التونسى لمدة ساعة أمس ليقنعه بالتراجع عن موقفه . بينما الغنوشى يتحدث عن تقديم تنازلات لحل الأزمة ويبدو أنها تدور حول القبول بأى حكومة يريدها قيس سعيد . الجيش والشرطة يقومان بالحد الأدنى من الالتزام بقرارات الرئيس وليس الحد الأقصى بعد ، ولا أتصور أن يصل إلى الحد الأقصى . مجلة الفورين بوليسى الأمريكية تحض بيدن على انقاذ الديموقراطية أو فى الحقيقة إنقاذ مصداقيته فلطالما تحدث عن موقفه لانقاذ الديموقراطية فى العالم ولم يفعل شيئا منذ مجيئه للحكم منذ 6 شهور . وأحسب أن أمريكا متمسكة بالنهضة وفقا للخريطة التى أمامها فى تونس مع الاحتفاظ بكل الأطراف الأخرى على المسرح السياسى .
إن النهضة كما الاخوان فى مصر حولوا الصراع مع خصومهم إلى صراع على الكراسى ( لعبة الكراسى الموسيقية ) فى هذه اللعبة من يجلس أولا يكسب ، وفى افريقيا فى القرن العشرين كان من يستيقظ مبكرا أكثر يتولى الحكم من الجيش ، حتى لقد حكم غانا يوما ملازم أول . النهضة فرغت القضية من محتواها وحولتها وحولت الصراع إلى كراسى موسيقية ، ولكنها تؤكد عن حق أنها تصل لمقاعد البرلمان بالانتخابات وليس بالجلوس أولا عنوة ، ولكن اذا كان الناجحون فى الانتخابات لم يقدموا شيئا للمواطن التونسى فمن حقه أن يكفر بالديموقراطية . لذلك من المؤكد أن النهضة ستخسر أكثر فى الانتخابات القادمة اذا أجريت ولكن خصوم الاخوان ليس لديهم صبر وليس لديهم حزب مقنع ولذلك فإن الخطورة هى أن تونس مقبلة على سيناريو مخيف : الفوضى والتحلل والتفسخ المجتمعى وهذا حال أى مجتمع بدون قيادة قوية ومقنعة ومخلصة .
جوهر الأمر أن النهضة ليس فى جدول أعماله تحرير تونس من الهيمنة الامريكية الاوروبية ولايؤمن كغيره من تيارات الاخوان أن هذه هى مشكلة الأمة الأولى . وليس فى جدوله محاربة الفساد بل تحالف معه فى كل الحكومات السابقة . وليس فى جدوله نصرة الفقراء والمستضظعفين ولا يتذكرون أبدا الآيتين الكريمتين ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم فى الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) 5-6 القصص صدق الله العظيم
وعلى دم جديد من ثوار الياسمين أن يشكل حركة جديدة شعارها : الاستقلال – العدالة – الطهارة – إنصاف الفقراء والمظلومين – تنمية اقتصادية وطنية متمحورة حول الذات هى وحدها القادرة على القضاء على البطالة والفقر – الايمان بعروبة تونس والاعتماد المتبادل مع الاقتصادات العربية – الديموقراطية .
