الصورة ل د. مهدى رزق الله
الحلقة 86 من المستطيل القرآنى و16 من حد الردة -مجدى حسين
بعد الانتهاء من كتابة الحلقات السابقة عثرت على بعض الدراسات لمفكرين وكتاب ومؤرخين تثبت ما توصلت إليه بمجهود متواضع لأننى كما أكرر دوما لست متفرغا للبحث الأكاديمى ( الآن أصبحت متفرغا فى عام 2021 !) ولكننى أبحث فى الحد الأدنى الذى يكفى للبرهنة على الحقائق الأساسية . وهذه خلاصة أهم المعلومات التى تؤكد أنه حدثت مبالغات غير مقبولة فى تقدير مدى شمول الردة خاصة ما ورد فى البداية والنهاية لابن كثير ( ان العرب ارتدت قاطبة ولم يبق الاسلام الا فى مكة والمدينة وربما الطائف أيضا ) حيث ظل كتاب التاريخ يتناقلون هذه المقولة وكأنها هى الحق المطلق لأنها صادرة من ابن كثير ، وقد ذكرت من قبل أن ابن كثير عالم كبير فى التفسير لايشق له غبار ولكنه ليس مؤرخا على نفس المستوى ( بعد ذلك تبحرت فى تفسير ابن كثير للقرآن الكريم وأصبحت لدى ملاحظات أساسية عليه مع استمرار تقديرى للملاحظات الثاقبة التى وردت فيه وهو كغيره يؤخذ منه ويرد ).
الثابتون على الاسلام أيام فتنة الردة فى عهد الخليفة أبى بكر الصديق – د. مهدى رزق الله أحمد – دار طيبة – الطبعة الأولى 1996 )
منذ البداية الأولى لحركة الردة كانت قبائل بأسرها مع ابى بكر وعلى رأسها أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة وكعب ، وراسلهم أبو بكر يأمرهم بجهاد أهل الردة فاستجابوا له حتى امتلأت المدينة المنورة بهم ( لاحظ !) وكانت معهم الخيل والجمال التى وضعوها تحت تصرف أبى بكر .
( حركة الردة – د. على العتوم – مكتبة الرسالة الحديثة – عمان – الطبعة الثانية – 1997)
ومما يدل على كثرة رجال القبائل المناصرة للصديق وكبر حجم دعمها أن جهينة وحدها قدمت للصديق فى أربعمائة من رجالها ومعهم الظهر والخيل وساق عمرو بن مرة الجهنى مائة بعير لإعانة المسلمين فوزعها أبو بكر فى الناس .
- أرسل أبو بكر رسائل إلى ولاة المسلمين فى الأقاليم يحرضهم على النهوض لقتال المرتدين كرسالته لأهل اليمن التى ورد فيها ( اسمعوا من فيروز وجدوا معه فإنى قد وليته ( البدء والتاريخ للمقدسى ) وقد أثمرت هذه الرسالة وقام المسلمون من أبناء الفرس بزعامة فيروز يعاونهم اخوانهم العرب بشن غارة شعواء على العصاة المارقين حتى رد الله كيدهم إلى نحورهم وعادت اليمن بالتدريج إلى جادة الحق .
- ( د. مهدى رزق الله – مرجع سابق )
- وكانت المواجهة الفكرية منذ البداية مثل موقف مسعودأو مسروق القيسى بن عابس الكندى فى نصح الأشعث بن قيس ودعوته لعدم الردة فى حوار طويل . وهكذا قإن الصديق اعتمد منذ البداية على ركائز قوية من القبائل والزعماء والأفراد الذين انبثوا فى كافة أنحاء الجزيرة وثبتوا على الاسلام . وبدون أن نكرر ما ذكرناه يقول د. مهدى : أقبلت الصدقات على أبى بكر فى المدينة . وفى ليلة واحدة أثرت المدينة بأموال الزكاة ستة أحياء من العرب .ويؤكد : إن من الحقائق الأساسية حول هذه الفتنة أنها لم تكن شاملة لكل الناس كشمولها الجغرافى ، بل ان هناك قادة وقبائل وأفرادا وجماعات تمسكوا بدينهم فى كل منطقة من المناطق التى ظهرت فيها الردة ، وكانوا قاعدة صلبة للقضاء على الردة والتى اعتمد عليها الصديق، وكان يطلب منهم التجمع فى مناطق حددها لهم حتى يأتيهم أمره. وكان هذا الترتيب بداية الخطة العسكرية القادمة .
- ( دراسات فى عهد النبوة والخلافة الراشدة – د. عبد الرحمن الشجاع – دار الفكر المعاصر – الطبعة الأولى 1999 )
- وبالفعل نجح بعض هؤلاء الثابتين على الاسلام فى إفشال حركة قيس بن مشكوح المرادى وبعض التجمعات القبلية فى تهامة وبلاد السراة ونجران .
- ( التاريخ الاسلامى – محمود شاكر )
- حروب الردة لم تستغرق إلا شهور معدودة !
- ومن مجموع هذه الكتب ومن تاريخ الطبرى أنقل الآتى ببعض التصرف فى الصياغة :
- أكتفى أبو بكر بمعالجة بعض موجات الردة فى اليمن بالرسائل والرسل ! بالاعتماد على فيروز وبنى عقيل وقبيلة عك وبهذا عادت صنعاء للمرة الثانية إلى الهدوء والاستقرار عن طريق الرسل والكتب ( تاريخ الطبرى ) وفى ردة تهامة اليمن تم القضاء عليها بدون مجهود يذكر من قبل الخليفة فقد تولاها المسلمون من أبناء تهامة مثل مسروق العكى والطاهر بن أبى هالة وكان واليا للرسول على جزء من تهامة . وأما بجيلة فإن أبا بكر أمر جرير بن عبد الله بقتال المرتدين وكذلك أن يأتى خشعم ففعل ما أمر به الصديق .
- وكان بعض بنى حارث بن كعب مترددين بعد وفاة الرسول فخرج إليهم مسروق العكى وهويزمع مقاتلتهم فدعاهم إلى الاسلام فأسلموا من غير قتال ، فأقام فيهم ليعمل على استتباب الأمور ، فلم يأت المهاجر بن أمية بقوة مسلحة من المدينة إلا وقد ضبط نجران ( تاريخ الردة للكلاعى ). وعندما وصل جيش عكرمة إلى مهرة وجدها منقسمة إلى فريقين فى صراع على السلطة ( لاحظ مسألة الصراع على السلطة ) فدعا فريق شخريت المتمركز على الساحل إلى الاسلام وكذلك دعا الطرف الآخر ، ولكن شخريت استجاب وهزموا الطرف الآخر . وبايع الجميع على الاسلام . ثم توجه عكرمة إلى أبين لتثبيت حمير على الاسلام وقد كان بدون معارك أو قتال . وتم إحكام السيطرة على صنعاء ولم يبق سوى حضرموت حيث تمت تصفية التمرد بالقوة المسلحة . وفى عهد عمر بن الخطاب سمح للمرتدين التائبين أن يشاركوا فى الفتوحات ، بعد السماح الجزئى لهم فى عهد أبى بكر .
- وتم القضاء على قوة المتنبىء طليحة الأسدى بدون معارك كبرى على يد خالد بن الوليد ، فكان النصر ميسورا ، حيث وقفت أحياء كثيرة من الأعراب ينظرون على من تكون الدائرة .. وبعد ذلك خضعت بنو أسد وغطفان لشروط الصديق . أما سجاح المتنبئة فهى قادمة من خارج الجزيرة العربية من تغلب فى جزيرة الشام وهى من نصارى العرب ، وهناك رواية تؤكد أنها كانت مدفوعة من الفرس . وانتهت قصتها سريعا . وقد حاولت استمالة بنى تميم من خلال مالك بن نويره .ولكن التدقيق فى الروايات يبين أن من ثبت على الاسلام من بنى تميم كان أكثر من المترددين والمرتدين . وتم التغلب على الردة فى عمان لأن المسلمين تكاتفوا حول أميرهم جيفر واعتصموا بالأماكن الحصينة حتى جاءت جيوش المسلمين . أما فى البحرين وهى كما ذكرنا تطلق على الأرض الممتدة من قطيف إلى عمان أى شرق الجزيرة مع المناطق الساحلية . وقد كان للجارود – الذى صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم – دور أساسى فى تثبيت الناس على الاسلام حتى جاء المدد من الصديق. وثبت أن الفرس أمدوا المرتدين ب 9 آلاف مقاتل ، وهو ما يؤكد دور الفرس قى تأجيج حركة الردة فى مجمل شرق الجزيرة . ونكتفى بهذا القدر ، وهذه المعلومات نضمها لما ذكرناه من قبل . وهكذا انتهت هذه الدراسة حول الردة فقها وتاريخا والحمد لله رب العالمين , ونعود لسيرة أبى بكر الصديق فى سائر الأمور الأخرى بنفس المنهج منهج التحليل واستخلاص القواعد والسنن والحكمة فى انتصار الاسلام فى ذلك الزمن ، وهو أمر قابل للتكرار بإذن الله .
