مذكراتى فى السجن : رأى فى تحولات الشيوعيين القدامى من خلال رواية أدبية لأحدهم, وحكايتى مع عم فرج

-الصورة لعبد الله السناوى رئيس تحرير صحيفة العربى-

الخميس 8 يونيو 2000: الساعة 7:15 صباحا

أعترف بأننى أعود لكتابة المذكرات لأسباب صحية!! فما يزال الضغط مرتفعا ارتفاعا طفيفا، وأسعى إلى عودته إلى طبيعته تماما، رغم أن كبر سنى يمكن أن يتحمل هذا الارتفاع.. ولكن لابد من التأكد من ذلك، ولا مانع من الاهتمام بصحتى طالما لدى من الوقت يسمح بذلك! ليس لدى حقيقة ما أكتبه. فلا يوجد الآن شىء أساسى يكدرنى، كذلك فإن أشياء تافهة تكدرنى وأتعالى عن تسجيلها. مررت فى اليومين الماضيين بتجربة مريرة؛ فقد قررت التخفيف عن نفسى.. وقراءة قصة.. وأعارنى أحد الأصدقاء قصة لرءوف مسعد (مزاج التماسيح), وأنا لم أقرأ لهذا الشخص من قبل، وكل ما أعرفه عنه مقال لـ د. محمد عباس ضد كتاب له (رءوف مسعد) يروج فيه للشذوذ الجنسى.. وقد كان رأيى وقتها إن المناظرة مع الشيوعيين السابقين لم يعد لها محل، ويجب أن نتركهم للموت فى غياهب النسيان و الإهمال, ولكن المسألة لم تعد مسألة شيوعية. بل لو ظلوا شيوعيين حقا لكان أفضل من حالة الاهتراء التى وصلوا إليها من الارتماء فى أحضان الغرب وأمواله، وأفضل من التخصص فى ترويج الإباحية والإلحاد, لأن الشيوعيين عندما كانوا مناضلين.. كانوا يدفعون ثمن مواقفهم قتلا وسجنا وتشريدا، وكانوا أعداء ألداء للولايات المتحدة والغرب وإسرائيل، وكانوا أعداء للطبقات الاستغلالية (وقد مثل هذا نصف الحقيقة بالنسبة للرأسماليين) وكانوا حريصين على عدم استفزاز الجماهير بمواقفهم ضد الدين.. فى هذه الحالة كان يمكن أن تجد جسورا معهم، وأن تكون هناك قواسم مشتركة، وهذا حدث فى علاقة تيار الخمينى بالشيوعيين خلال الثورة الايرانية، وما حدث من علاقات بين حزب الله والحزب الشيوعى اللبنانى.. إلخ إلخ.

وقد يكون هذا الصنف من الشيوعيين ما يزال موجودا فى مصر؛ وأنا أعرف منهم ثلاثة أو أربعة، ولكن البحث عن مزيد يحتاج إلى مجهر! ولكن الطافى على السطح هم الشيوعيون الذين تحولوا إلى أجراء لكل مصادر التمويل الغربى، وكونوا ثروات، ولم يبق لديهم من الماركسية إلا الإلحاد، ولم يبق لهم من أعداء إلا الإسلام والمسلمين، والدين والمتدينين، وبعضهم أصبح من قادة التطبيع مع الصهاينة، أو مدافعين أشداء عن حرية الخيانة. كما أنهم لم يحظوا بشرف أن يكونوا ليبراليين، فعندما أغلقت جريدة “الشعب”، أخذوا يهللون ويصفقون, وليس هذا من الليبرالية فى شىء، لقد تحولوا إلى عملاء للغرب وعملاء للوبى الصهيونى المصرى.

المهم. فأنا فى السجن لم يكن لدى خيار، إلا أن أقرأ كتاب رءوف سعد, فلم تكن معى قصة أخرى.. وقد كان كتابا فظيعا بكل المقاييس وعلى كل الأصعدة.. استهزاء بالأديان, وعلى رأسها المسيحية لأنه هو مسيحى, ويصل الأمر إلى السخرية من قصة ستنا مريم العذراء, وفحش فى الجنس؛ واستخدام الألفاظ البذيئة ما له من مثيل؛ إلا فى وليمة أعشاب البحر، وهى قصة تروج لفكرة الحرب الأهلية التى ستنشأ بين  المسلمين والمسيحيين فى مصر, بينما الحل هو فى تخلى كل طرف عن دينه!

والحقيقة فإننى لا أقلل من مسألة الفحش الجنسى, ولا اعتبرها أقل أهمية من الطعن المباشر في الذات الإلهية أو الرسول علية الصلاة والسلام وسائر الرسل والأنبياء, لأن الترويج للفحش الجنسى قرين الكفر، وشغل الناس بالجنس أكثر من اللازم خروج عن الناموس الطبيعى، والكافر يرى فى جسد المرأة محرابه.. والذين انحرفوا بالأديان ركزوا على الجنس تركيزا مخيفا (كاليهود)، أو بعض الديانات الأسيوية (فى الهند تحديدا), والكافر الذى يرى فى جسد المرأة محرابه بعد كأس الخمر أو سيجارة المخدر لا يمكن أن يكتفى بجسد امرأة واحدة.. وهو لا يلجأ إلى تعدد الزوجات (والعياذ بالله) فهذا “تخلف”، إنه مستعد للانفتاح على كل نساء العالم.. ما استطاع إلى ذلك سبيلا (بديلا عن حج المسلم إذا استطاع إلى ذلك سبيلا)!

وقد قال الله العظيم فى محكم كتابه (وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً) (النساء: 27), و(فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (مريم: 59).

وأنا حزين لأن “مدبولى” هو الذى أصدر هذا الكتاب الساقط، والسبب فيما أرى أنه يستعين أيضا بالشيوعيين المتقاعدين كمستشارين!

*****

على صعيد السجن لا توجد أيه أحداث، ولن أسجل نتائج مبارياتى  فى التنس مع عصام حنفى حتى لا يرفع علىّ قضية تشهير وسب وقذف!!

وعلى المستوى الإعلامى.. طبعا تقلصت المساحات الإعلامية المخصصة لمسألة تجميد حزب العمل، ولكن القضية ما تزال مثارة بالحد الأدنى المعقول فى الأحرار، والوفد والحقيقة، والصحف المستقلة.

كذلك نشر الأهرام مقالا لشوقى السيد، تراجع فيه إلى حد كبير عن موقفة الفج فى تأييد حبس الصحفيين، ولا تزال صحيفة الحياة اللندنية والقدس اللندنية تواصلان متابعة القضية بشكل معقول, أما العربى فأنا فى انتظارها يوم الأحد القادم على أحر من الجمر، وقد أدى – فيما سمعت – موقفها المحترم وتجديدها المهنى إلى رفع التوزيع بصورة فورية من 500 نسخة فى عهد عبد الله إمام إلى 30 ألف نسخة فى عهد عبد الله السناوى، وهذا مثال عملى على احتياج المؤسسات لتجديد دمها بالجيل الجديد (الذى أصبح حقيقة قديما نسبيا)، وهذا كان من أهم أسرار نجاح “الشعب”، فعادل حسين أعتمد على الشباب، وأنا بدورى عندما توليت “الشعب” كنت أصغر رئيس تحرير فى مصر.. بل كان بينى وبين معظمهم 20 سنة على الأقل، وكان من المفترض فى لقاءاتى مع رؤساء التحرير الآخرين أن أناديهم يا أونكل.. أو يا جدو!!

وأنا أعنى بذلك رؤساء تحرير الصحف الحكومية الذين تجاوزا الستين والخمسة والستين واقترب بعضهم من السبعين بالخلاف مع القانون، ولكن ليذهب القانون إلى الجحيم (شو بدنا فيه) على الطريقة اللبنانية.

وهذا الدم الشاب الجديد كان وراء نجاح بعض الصحف المستقلة، وحيويتها.

(قطعت المذكرات لإحضار الخبز من الفرن, وعندما عدت وجدت الصحف قد وصلت مبكرا، لذلك انقطع الآن عن الكتابة وأواصل فيما بعد!).

نفس اليوم: الساعة 9 مساءا

هاأنذا أعود للكتابة فى نفس اليوم وفق مخطط التسرية عن النفس ليس إلا، كل شىء يتسم بالهدوء, أدام الله هذه النعمة، أدام الله هذه النعمة، فانا ما أزال معتصما ببيتى الجميل (زنزانتى) الذى أزيده تنظيما وتنظيفا كل يوم، أرتب أشيائى على الرف وأمسح عنه التراب، أخفى الممسحة والمكنسة خلف الباب أو فى الحمام، حتى لا أؤذى نظر من يدخل الزنزانة،رغم أن زوارى نادرون ولا يجلسون معى وقتا طويلا امتثالا لتعليمات المأمور، فهم فقط يحصلون منى على شىء أو يعطوننى شيئا، وينصرفون. أخفى الحلة من مدخل الزنزانة، أصنع مفرشا من أوراق الجرائد لركن المطبخ، وأنا أسمى هذا الركن بالمطبخ. وهو عبارة عن مصطبة أسمنت 50 سم× 50 سم على دورين؛ الدور الأول أصغر به السخان، والدور الثانى مصطبة على ضلعين تصلح لوضع الأكواب والملاعق وعلبة سمن صغيرة.. وعلى هذين الضلعين أضع على سطحها فرشا من الجرائد الحكومية أو المعادية للإسلام.. أعلق ملابسى الآتية من الغسيل على الشماعة،والفائض أضعه فى الحقيبة الوحيدة التى معى، أغسل أرضية الحمام الصغير (2م×70سم) من الأتربة التى تأتى فى شبشبى أو الحذاء الرياضى عندما أخرج إلى فناء السجن لأى سبب، ولأنتظر (ف) الذى يأتى مرة كل أسبوع لمساعدتى فى النظافة الشاملة، وكل هذه الأعمال وغيرها من العجائب، فأنا فى بيتى لا أعلق ملابسى النظيفة على الشماعة، ولا أنظم أى شىء!! ألا تكفينى القراءة والكتابة ومتابعة القنوات الفضائية!!

لا أتذكر الآن ماذا قرأت فى الصباح فى الصحف، ولكنى كما كان تقديرى فى المذكرات فإن الكُتاب فى الصحف مشغولون بالآثار الرهيبة، والدلالات الخطيرة، لحكم المحكمة الدستورية الخاص بالجمعيات الأهلية، وحكم مجلس الدولة الخاص بالفيلات، فما يحدث عندنا من اضطراب تشريعى لا مثيل له فى أى بلد محترم فى العالم. وجاءتنا من السماء حكاية حكم مجلس الدولة برئاسة رئيس المجلس بوقف صحيفة أخبار البحيرة الصادرة عن حزب الأحرار لأن الحزب ليس له 10 مقاعد بمجلس الشعب، وإذا كان هذا النص موجودا بالفعل فى قانون الأحزاب فيمكن للحكومة أن تغلق كل صحف المعارضة وتريح وتستريح, وجاء هذا الحكم ليؤكد هشاشة التعددية وهزليتها، وقد كان هذا مناسبا جدا فى هذا التوقيت ليتأكد الجميع أن المذبحة التى تعرضت لها “الشعب” يمكن أن تطال الجميع بجرة قلم وباسم القانون. وهذه من الترتيبات الإلهية.. وقد أدى هذا الحكم بالفعل لقلق واسع فى أوساط المعارضين والعقلاء. ووصلتنى أخيرا مجلة آخر ساعة، وقد استعارها منى بعض الضباط بالسجن قبل أن أقرأها، فوجدت أن سبب اهتمامهم بها أنه عدد خاص عن حزب العمل، وعلى الغلاف صورة كبيرة لعادل حسين وحديث طويل معه بالإضافة لتفريغ مناظرته مع رفعت السعيد فى قناة الجزيرة، وهكذا أصبح موضوع حزب العمل يجعل الناس تتهافت على مجلة محددة.. شكرا للطغاة الذين أغلقوا الجريدة وجمدوا الحزب!!

لم ألحظ فى الصحف تنفيذ أى شىء من مطالبى مع زوجتى د. نجلاء، إلا أننى علمت خبرا سارا وهو إن كتابى “أحكام القرآن الكريم فى موالاة الكفار المشتركين” قد تمت طباعته.. (علمت ذلك من خلال زيارة زوجة عصام حنفى له، وإذا كان هذا صحيحا.. ووصلتنى نسخة أو نسختين منه يوم السبت.. فسأكون فى قمة السعادة.. إن الحياة تدور.. والجهاد يتواصل، ولن يحول السجن أو الإغلاق أو التجميد دون استكمال المسيرة.. بإذن الله.. فالحمد لله.

وأنا لا أكاد أفعل شيئا إلا انتظار زيارة زوجتى بعد غد السبت، وأشعر أن كل ما أقوم به من نشاطات وأعمال منزلية ولعب تنس ليس إلا مجرد قتل للوقت, وأننى حقيقة بعد عبادة الله، لا أنتظر إلا زيارتها.. أعد الدقائق والثوانى كمحب جديد أو خطيب جديد ينتظر لقاء خطيبته التى يحول حماه دون لقائها بيسر!! وحماى هنا هو وزير الداخلية!! هل سألقاها السبت ثم الأربعاء فى أسبوع واحد هذا شىء كثير والله..

اليوم لاحظت أن عم فرج قد عادت إليه ابتسامته، وكنت قلقا عليه لأنه منذ يومين والابتسامة غائبة عن وجهه السمح، وعم فرج هو الذى يتولى شئون غسيل ملابسى وأغطيتى, ولولاه ما فعلت ذلك فى السجن، فأنا أثق به ثقة كبيرة, وهو قدوتى ومثلى الأعلى فى السجن.. عم فرج بالنسبة لى أسطورة غامضة من أساطير الحياة.. وهو ملاك هذا السجن إذا صح لى أن أشبه بملاك.. وفى علاقتى معه حاولت أن أحتفظ بفكرة الأسطورة.. فلا أتحدث معه كثيرا، إذا تحدث هو وقليلا ما يفعل أسمع إليه بإنصات.. ولا استفيض فى الرد عليه، كذلك لا أسأله عن حياته.. وسبب مجيئه إلى السجن, إلا مرة واحدة عندما التقيت به عام 1998 فى حبسة الألفى ( أى أثناء حبسى بتهمة سب وقذف وزير الداخلية حسن الألفى وكانت في نفس السجن ، مزرعة طرة ).. ولكن معلومات عن حياته وشخصه.. تصل إلىّ من هذا أو ذاك، وهى معلومات قليلة، وأنا لا أريد أن استقصى مزيدا من المعلومات رغم إعجابى واهتمامى به.. حتى لا أخدش فكرة الأسطورة.. فإذا علمت عنه كل شىء وناقشته كثيرا فربما تنمحى الأسطورة.. الأسطورة لابد أن يكون بها فجوات لا تسد وغموض لا يفسر.. لذلك فهو نفسه لا يعلم مدى اعزازى وحبى وإعجابى به.. عم فرج فى السجن منذ 23 عاما وهو ينتظر الإفراج بعد 22 شهرا, وهو الآن تجاوز الستين.. وقد حصل على مؤبد فى ما يسمى قضية التجسس لصالح ليبيا، وهو لم يرتكب أى عمل من أعمال العنف، حسب روايته وهو من قبيلة حوتى وهى إحدى فروع قبيل أولاد على.. القبيلة الأم..

وقبيلته فى منطقة العامرية جنوبى الإسكندرية،.منذ 23 عاما كان عم فرج أقرب لسياسة القذافى المعادية لإسرائيل وأمريكا, ولم يكن موافقا على سياسة السادات الممالئة لإسرائيل وأمريكا.. كان تاجرا مسافرا بين مصر وليبيا..ولا أدرى ما الذى فعله بالفعل ضد حكومة السادات, ولكن من المؤكد أنه لم يتورط فى أعمال العنف لأن الذين فعلوا تم إعدامهم! وعم فرج ليس الوحيد هنا فى هذه القضية؛ بل معه مجموعة تساقط منها بعض أفرادها موتا, ولم يستطيعوا أن يستكملوا مسيرة خمسة وعشرين عاما، مع أن المتهمين بالتجسس لصالح إسرائيل يخرجون بعد 20 عاما فى حالة الحكم المؤبد، أما هؤلاء فلا وقد كتبنا هذا الكلام فى “الشعب” مرارا دون أى رد فعل من وزارة الداخلية, وكأننا نتحدث في أمر تافه أو سخيف!

علاقتى مع عم فرج محدودة وسطحية لأنه يعيش فى عنبر 2، المحظور علينا “الاقتراب والتصوير” منه، ولكننى منذ حبسة الألفى (عام 1998).. وأنا أراقبه من بعيد متعجبا ومعجبا بشخصيته.. كنت أدرسه عن بعد كحالة لإنسان يعيش فى سجن مؤبد.. كان يأتى إلى المستشفى حيث أقيم.. لتسليم الملابس النظيفة وأخذ الملابس المتسخة من عدد من الزبائن،

وكنت ساعتها أغسل فى البيت.. لاحظت دائما أنه يسير بمشية عسكرية وسريعة.. كأن القطار سيفوته.. أو أن العمل سيفسد.. إذا لم ينته منه بسرعة, وقال لى من يتعامل معه أنهم يثقون فيه جدا, وفى نظافة أدائه, لذلك لا يرسلون الغسيل إلى البيت.. وكان أحيانا يمر علىّ وأنا مستلقى على سريرى بالمستشفى، حيث لا أفعل شيئا إلا القراءة.. يشد على يدى ويصبرنى, هو يصبرنى على حكم بالحبس سنة!! ويؤكد لى أننى سأخرج قريبا.. وكان يتحدث معى أحيانا لفترة طويلة نسبيا، ولكننى لم أكن أفهم لهجته الصحراوية تماما, فبعد أكثر من 20 عشرين عاما ما يزال يحتفظ بلكنته البدوية, ولكننى كنت أفهم 70% من  كلامه.. كما أفهم 70% من بث السى.إن.إن!! وكان معظم كلامه حول الإيمان بالله.. عندما كان يتركنى كنت أتظاهر بأننى نائم، لأخفى وجهى بالملاءة وأترك عينى تدمع من أجل هذا الرجل المؤمن بالله, فالله أكبر كبيرا.. الله العظيم المتعال القادر على كل شىء.. هو الذى أسكن الإيمان فى قلب هذا الرجل وصبره على بلائه العظيم.. فأصبح مبتسما دائما, ويكاد يكون أسعد إنسان فى العالم.. ما هذا الإعجاز يا رب العالمين؟!..

كتبنا عن مشكلته ومشكلة أقرانه فلم يتحرك أى مسئول فى مصر.. وعندما عدت مرة ثانية إلى السجن فى أغسطس 1999.. رأيته مرة أخرى نفس الحيوية والنشاط والإيمان بالله.. وكنت أدعو على الطاغين “ويل للقاسية قلوبهم”.. “ويل للقاسية قلوبهم”..”ويل للقاسية قلوبهم”, وقررت أن أتعامل معه تجاريا لأن هذا أريح لى.. وظلت علاقتنا محدودة.. عند استلام وتسليم الملابس والأغطية.. وكانت دائما له نصائح محددة كرجل أصبحت مهنته السجون.. وقد أخذت بكل نصائحه.. هو يؤكد على:

1- ضرورة الاستحمام فى السجن بالمياه الباردة صيفا وشتاءا, فهذا أكثر صحية.. وقد التزمت بذلك عدا شهور الشتاء القليلة !!

2- ضرورة الاستيقاظ مبكرا وممارسة الرياضة والمشى.

3- الصلاة والتقرب من الله.. وخلال تعامله التجارى معى.. لاحظت أنه ليس طماعا، بل بالعكس إنه يتحملك إذا تأخرت فى الدفع.. وهو دائما يؤكد بلكنته الصحراوية “يا أستاذ الفلوس مش مهم”

وهو يعنيها من كل قلبه، هو تجسيد حى لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه), وهو تجسيد حى للآية الكريمة: – هذا ما أحسبه ولا نذكى على الله أحدا -(لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً) (البقرة: 273).

أنا لا أعرف شيئا عن حياته أو أسرته.. ولا أسأل عن شىء, وهو يدعو لى بفك الأسر, ويفك الله أسرى, وأنا أدعو الله له بفك الأسر, ولكن الله لم يأذن بعد لحكمة لا نعلمها.

وهو بصحة طيبة، ورغم أن هذه الدنيا فانية ولا تساوى جناح بعوضة، ولكنى أدعو الله أن يخرجه من سجنه وهو بصحة طيبة كما هو الآن, وأن يجعله يعيش 20 سنة فى الحرية.. والصحراويون معمرون ويعيشون للثمانين والتسعين والمائة.

عندما أذهب لصلاة الجمعة أجلس فى الصفوف الخلفية ويكون هو فى الصف الأول.. لأنه يأتى مبكرا، وأرى نورا شديدا يشع منه وهو ينصت لخطبة الجمعة باهتمام شديد, وعندما كان هناك درس عقب الصلاة كان أول الحاضرين.. وهو يحرص على ارتداء جلباب أبيض نظيف فى ذلك اليوم.

بقى أن أسجل أن عم فرج أمى لا يقرأ ولا يكتب, وعندما علمت هذا مؤخرا لم أدعوه إلى التعلم, ومن أكون أنا كى أنصح هذا الأسطورة.. بل على العكس تذكرت الكثيرين الذين يعرفون القراءة والكتابة بصورة جيدة جدا, ولكنهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، وحرفوا الكلم عن مواضعه..

عندما أراه يسجد لله فى المسجد أرى فيه خشوعا لا أراه فى أى أحد آخر, وأشعر أن جسده قد ألتصق بالأرض؛ وأصبح قطعة منها, ودعوت الله أن أحسن السجود كما يحسن هذا الرجل العارف بالله.

وكنت دائما أقارن بينه وبين باقى المساجين الحاصلين على أحكام بـ 3 شهور أو 6 شهور أو سنة أو سنتين وهم فى حالة لا توصف من الجزع.. بينما هو يتحلى بكل هذه السكينة والطمأنينة والصبر.. ولا أريد أن أقول السعادة.

يا رب أحفظ صحته.. ولا تجعل البسمة تفارق شفتيه.. وتقبل منه إنك أنت العزيز الحكيم.

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading