أخطاء أمريكية جسيمة تزيد قوة خصومها

مصطفى السعيد

تخشى الولايات المتحدة تكرار كابوس الهروب من سايجون عاصمة فيتنام الجنوبية عقب هزيمتها أمام قوات فيتنام الشمالية فى أواخر أبريل عام 1975، وأن يكون خروجها من أفغانستان مشابها لمشاهد الهروب من فيتنام بالمروحيات التى كان يتعلق بها المتعاونون مع القوات الأمريكية خوفا من العقاب، لهذا ركز الوفد الأمريكى فى مباحثات الدوحة على الاتفاق مع وفد حركة طالبان على تعهد الآخيرة بسلامة السفارة الأمريكية فى كابول، لكن وفد طالبان ربط بين أمان السفارة الأمريكية وسلوك واشنطن تجاه الحركة، لتعلن وزارة الدفاع الأمريكية عن إرسال ثلاثة آلاف جندى أمريكى إلى كابول لتأمين السفارة ومغادرة رعاياها، ونقل المتعاونين الأفغان مع القوات الأمريكية إلى مكان آمن، ويبلغ عدد المترجمين 50 ألفا، وهو عدد ضخم للغاية، لا يمكن أن يكون دوره مقتصرا فقط على الترجمة. لكن كيف وصل الحال إلى هذا الوضع المهين للولايات المتحدة؟ لماذا حدث هذا الانهيار السريع للقوات الحكومية الموالية لواشنطن والمقدر عددها بنحو 300 ألف جندى دربتهم الولايات المتحدة وزودتهم بأسلحة حديثة، بينما طالبان لا تملك أى مدرعات أو طائرات أو صواريخ للدفاع الجوى أو غيرها من الأسلحة الثقيلة؟ تقول الإدارة الأمريكية إنها أساءت التقدير للوضع فى أفغانستان، وتكيل الاتهامات لحركة طالبان بأنها خدعت المفاوضين الأمريكيين، وأنها كانت تواصل الحرب أثناء مباحثات السلام، وهذه مبررات واهية لا تناسب دولة عظمى، لديها أكبر أجهزة المخابرات والبحوث والمراقبة بالأقمار الصناعية والطائرات، وكل ما يلزم لتعرف واشنطن كل شيء على الأرض أو فى الغرف المغلقة، فكيف تفاجأت الولايات المتحدة بانهيار الجيش الأفغانى وسيطرة طالبان السريعة على معظم أراضى أفغانستان؟ لا أجد إجابة إلا فى أن الولايات المتحدة أفرطت الثقة فى قدراتها، فقد تجاهلت غضب باكستان من تعزيز علاقة واشنطن بالهند أملا فى اشتراكها فى التصدى للصين، واعتمدت الولايات المتحدة فى تقدير قوة الحكومة الأفغانية بحجم الجيش والأسلحة فقط، وعندما وجدت الولايات المتحدة أن حركة طالبان تتقدم بسرعة، ظنت أن إرسال القاذفة الإستراتيجية بى 52، والقصف الجوى لقوات طالبان سيوقف زحفها، وهو ما لم يحدث، فأسرعت إلى المفاوضات ثانية، وهى تحمل ورقتين، الأولى عدم الاعتراف باستيلاء طالبان على الحكم بالقوة، والثانية عدم المشاركة فى إعمار أفغانستان، بل فرض عقوبات عليها، وردت طالبان على الورقة الأولى بأن الولايات المتحدة هى من استولت على حكم أفغانستان بالقوة، وأنها وضعت حكومة موالية لها، ولم ترد طالبان على الورقة الثانية، لأن طالبان ليست معنية ولا تتوقع إعمارا، فالولايات المتحدة لم تفعل شيئا فى إعمار أفغانستان طوال عقدين من احتلالها، وطالبان اعتادت الحياة البدائية فى الجبال، أما فرض العقوبات على أفغانستان فلن يؤثر كثيرا، بل ربما أضر الولايات المتحدة عندما تلجأ أفغانستان إلى الصين وروسيا وإيران وتطلب منهم العون، عندها ستكون خسارة واشنطن كبيرة. أما الخسارة الأكبر فستكون فى باقى المناطق التى توجد فيها القوات الأمريكية مثل العراق وسوريا، فسترتفع معنويات القوى المناوئة للوجود الأمريكى، وتنخفض ثقة المتعاونين مع واشنطن، لتصبح فرصة بقاء القوات الأمريكية فى العراق وسوريا ضعيفة.

وكررت واشنطن أخطاءها فى مواجهتها للمشروع النووى الإيرانى، فلا الإدارة الأمريكية قادرة على انتزاع تنازلات من طهران باستمرار فرض العقوبات، ولا عادت للاتفاق النووى كما كان قبل إعلان ترامب الخروج منه، واستغلت إيران خروج الولايات المتحدة لتطور مشروعها النووى بسرعة، وأدخلت أجهزة حديثة لتخصيب اليورانيوم، وباتت وفق التقديرات الإسرائيلية على بعد عشرة أسابيع من إنتاج قنبلة نووية، لتعلن وزارة الخارجية الأمريكية أن لا سبيل أمام الولايات المتحدة إلا العودة للاتفاق النووى، وأن شن هجوم على إيران خطير ومكلف، وتوجه مدير المخابرات الأمريكية إلى إسرائيل ليقنعها بأن إقدام إسرائيل على ضربة عسكرية إلى إيران يهدد المصالح الأمريكية، ويشكل خطرا جسيما على إسرائيل.

أما أكبر الأخطاء الأمريكية فهى أنها لا تريد أن ترى الواقع الجديد للعالم، ولا تقبل الاعتراف بأنها لم تعد القوة الوحيدة المهيمنة، وتعتمد على الدعاية والتلويح باستخدام القوة العسكرية أو العقوبات الاقتصادية أكثر مما تعتمد على القراءة الجدية للمتغيرات الدولية، فالفشل يلاحق الخطط الأمريكية، منذ غزو أفغانستان والعراق وحتى الشرق الأوسط الجديد والفوضى الخلاقة وخطة ترامب للسلام والحصار والعقوبات للكثير من دول العالم. إن الانسحاب الأمريكى من أفغانستان والعودة إلى الاتفاق النووى مع إيران خسارتان مؤثرتان على النفوذ الأمريكى، ومؤشران على تراجع القوة الأمريكية.

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة