مغزى إصرار الصدّيق على تنفيذ أمر رسول الله في تأديب الروم رغم أحداث الردة

مجدى أحمد حسين

 تحدثنا في فصل سابق ( من دراسة كيف تعامل رسول الله مع أمريكا عصره ؟) عن الدروس الاستراتيجية الثمينة لبعث أسامة وهى آخر صدام بين دولة الاسلام الفتية والامبراطورية الرومانية في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل وآخر قرار سياسى يتخذه قبل أن يرحل عن دنيانا ، وقد بحثنا أهمية مسألة ردع العدو المجاور لدولة الاسلام ، وضرورة إرسال رسالة واضحة له حتى لايستخف بها ، وأن الردع يقوم على فكرة : أن الهجوم خير وسيلة للدفاع .

وكان إرسال هذه البعثة يتم رغم كل الظروف الصعبة التى كانت تبرر إلغاءها : مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم – بل مرضه الذى ينذر بالاحتضار – البون الشاسع بين القوى المادية للمسلمين والرومان خاصة ولم يكن هناك تهديد سريع أو وشيك من قبل الرومان لغزو الدولة الاسلامية ، حتى لقد رجحنا أن الرسول أراد ، قبل أن يرحل ، أن يكرس ويضع خطا غليظا تحت فكرة أن هذا المحور من الصراع سيكون أساسيا في حياة المسلمين ، وهذا ماحدث بعد سنوات قليلة : فتح الشام ثم مصر ثم شمال افريقيا . بل لايزال هذا المحور من الصراع مستمرا حتى الآن ، بعد أن ورثت الامبراطورية الأمريكية وبالتحالف مع الكيان الصهيونى نفس دور وموقع الامبراطورية الرومانية التى كانت تحتل الشام وفلسطين في قلبها .
خطورة أحداث الردة
ولكن كل ماذكرناه كوم وماحدث بعد وفور وفاة الرسول من ردة كوم آخر ، بل يعد تطورا أكثر خطورة ، كان يرجح بالمعايير البسيطة إلغاء بعث أسامة . وهنا نجد فى تمسك أبى بكرالصديق بتنفيذ القرار أعجوبة تحسب له ، وقد رأى بيقين أن يواصل الالتزام بقرار رسول الله ، مهما كانت الظروف ، وقد كان موقفا إيمانيا سيذكر له ويضاف إلى موقفه من واقعة وفاة الرسول ودوره في تثبيت عمر بن الخطاب . ولكننا نركز الآن على المغزى الاستراتيجى لصحة اتخاذ القرار ثم الاصرار على تنفيذه رغم كارثة وفاة الرسول ثم كارثة الردة ..
بعث أسامة وموقف الصحابة منه :
أشار بعض الصحابة على أبي بكر بأن لا ينفذ بعث أسامة، ويظل هذا الجيش في المدينة ليحميها من المتربصين بها.
وكان رسول الله قد أوصى بإنفاذه قبل وفاته، وجهز الجيش، وخرج الجيش على مشارف المدينة، وعلم الجيش بمرض الرسول الله فلم يخرجوا، فكان أول قرار يأخذه في الخلافة، هو قرار إنفاذ بعث أسامة بن زيد، وكان قد أنفذ هذا البعث ليحارب الرومان في شمال الجزيرة العربية، وقبائل قضاعة الموجودة في شمال الجزيرة العربية، وهذا الجيش الخارج من المدينة، لم يكن موجهًا إلى من ارتدوا، ولكن كان موجهًا إلى الرومان، ولم يكن في منطقة قريبة من المدينة حتى يستطيع أن يأتي إليها إذا داهمها المرتدون، بل كان هذا الجيش خارجًا إلى مشارف الشام، ومع ذلك أصر أبو بكر أن يُنفذ هذا الجيش مع كل ما يحيط بالمسلمين من خطورة.
وثار عليه بعض الصحابة، وكلموه في ذلك، فقال لهم كلمة تسجل بحروف من نور أوردناها من قبل برواية مختلفة قليلا : “والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله ، ولو أن الطير تخطفنا، والسباع من حول المدينة، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة”.
 
فهذا ما أوصى به الرسول قبل وفاته، وبالفعل، يخرج جيش أسامة بن زيد.
يخرج والجزيرة العربية متأججة في نار الردة، ويخرج البعث من المدينة، وفي الجيش عمر بن الخطاب تحت إمارة أسامة بن زيد، وأراد أبو بكر عمر بن الخطاب؛ ليسانده الرأي في المدينة في ذلك الوقت، فالموقف صعب، وهو الرجل الثاني بعد أبي بكر الصديق ، فيخرج أبو بكر الصديق يمشي، وأسامة بن زيد راكبًا على فرسه، وأبو بكر ماشيًا بجواره، يخاطبه في ذلك، يقول له: لو أذنت لي في عمر بن الخطاب، أستعين برأيه في المدينة.
وأسامة يقول له: يا أبا بكر، إما أن تركب، وإما أن أنزل. فيصر على المشي، ويقول: وما لي لا أُغَبّر قدماي في سبيل الله ساعة. ويأخذ عمر بن الخطاب، ويرجع به إلى المدينة، ويخرج الجيش المسلم إلى مشارف الشام.
لما خرج الجيش إلى أطراف الشام فرت منه الجيوش الرومانية في هذه المنطقة، فلم يلق قتالاً من الرومان، فوجد بعض القبائل في هذه المنطقة من متنصرة العرب حلفاء الروم، فقاتل كل هذه القبائل، وشتت شملها، وهزمها، وهربوا إلى منطقة تسمى دومة الجندل، ولكن أسامة بن زيد لم يكن مأمورًا بقتال هذه القبائل، ولا تتبعها، فاكتفى، وعاد بسرعة إلى أبي بكر الصديق في المدينة ومعه الغنائم من هذه الموقعة، ومكث أسامة بن زيد في هذه الرحلة خمسة وثلاثين يومًا فقط، وهذا هو التقدير الأقرب، لكن هناك من يقول أن هذا البعث استغرق شهرين .
خروج الجيش إلى شمال الجزيرة أحدث بكل القبائل العربية الموجودة في هذه المنطقة رهبة من المسلمين مما جعلهم يظنون أن للمسلمين قوة في المدينة، فمن المؤكد أن بالمدينة جيوش عظيمة جدًّا، وأن هذا جزء صغير من الجيوش، فلم يكن يمر جيش أسامة في منطقة إلا أرعبهم، فقررت عدم الهجوم على المدينة وإيثار السلامة، لرعبهم من جيش أسامة بن زيد، وخوفًا ممن في المدينة، مع أنه لم يكن هناك جيش بالمدينة، إلا أنها كانت حكمة من الله ألهم بها نبيه، ووفق لها أبا بكر، فأُلْقي في قلوبهم الرعب، فكانت هذه فائدة عظيمة من خروج جيش أسامة بن زيد . ( قصة الاسلام بتصرف ).
الدرس الاستراتيجى
أولا : إن وجود أزمات داخلية خطيرة وخانقة لاتعنى غض الطرف أو تأجيل التصدى لخطر خارجى  .
ثانيا : هناك علاقة عضوية بين مانسميه  الآن سياسة داخلية وأخرى خارجية ، والواقع فالسياسة واحدة يحكمها منطق واحد ، وإذا أنت تصديت لعلاج مشكلة خارجية فإن ذلك سيساعدك على حل مشكلاتك الداخلية ، فأنت تحشد قواك الداخلية في مواجهة خطر مشترك ، وترسل رسالة للعدو الخارجى أنك قوى في الداخل ، حتى لا يفكر في استثمار مشكلاتك الداخلية بالهجوم أو بالتآمر مع قوى داخلية . وترسل رسالة عكسية للعناصر المناوئة في الداخل بأن عزيمتك قوية ، ولديك من القوى مايكفى للتصدى لأعداء الداخل والخارج في وقت واحد . وقد رأينا كيف أحبط مشهد وتحرك بعث أسامة قادة قبائل في الشمال كانت تفكر في التمرد !
ثالثا : كانت القوى المرتدة في شرق الجزيرة على اتصال فعلى بالدولة الفارسية وهذا ما مدها بقوة وعزيمة إضافيتين . وهذا يؤكد تضافر ماهو داخلى مع ماهو خارجى ، وقد كانت هذه العلاقات من أحد أسباب غزو فارس ، ولكن هذا يخرج عن إطار دراستنا هذه .
رابعا : قرار رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى تحول إلى قرار أبى بكر بإنفاذ بعث أسامة . يضرب الفكرة الشائعة الآن بين الاسلاميين في مصر بتأجيل وتسكين الصراعات الخارجية حتى وإن كانت مجاورة مع اسرائيل وأمريكا التى لاتجاورنا فحسب بل تسكن معنا في قواعد وشركات بترول ومعادن ومستشارين وخبراء في كل ركن وكل وحدة عسكرية ، الفكرة الشائعة بتأجيل مايسمى الصراع الخارجى لحين ترتيب أوضاع الجبهة الداخلية ، وإحداث التنمية الاقتصادية . هذه الفكرة خرافية لاوجود لها في حياة الرسول ولا في حياة الخلفاء الراشدين ، ولاوجود لها في حياة الأمم ، فكل الأمم ازدهرت عندما كانت قوية في محيطها الاقليمى والدولى ، ولاتصدقوا فرية سويسرا المحايدة أو السويد المحايدة فهاتان دولتان من صميم تكوين التحالف الغربى ولهما وغيرهما وظائف في منتهى الخطورة والأهمية خاصة من الناحية الاقتصادية خاصة سويسرا التى هى معقل النظام المصرفى اليهودى والعالمى واليهود لتأمينها سعوا إلى قصة حيادها للحفاظ على أموالهم !! .
 اذكروا اسم بلد واحد تقدم لأنه انكفأ على نفسه واعتزل الحروب أو الصدامات الخارجية . سيقول أحدكم اليابان ! ورغم أن اليابان كانت ولاتزال في وضع البلد المحتل ولكنها تفعل ذلك الآن ” بمزاجها ” ، إلا أنها بدأت تتراجع اقتصاديا بشدة نتيجة سياستها الخارجية الانكماشية ، كما أنها تعود وتتحول إلى قوة عسكرية ، وعادت إلى التناوش مع الصين . كل القوى العظمى والمؤثرة عبر التاريخ كانت في قلب الأحداث وجاهزة للعمل العسكرى عند الضرورة . ومن أهم أسباب قيادة أمريكا للعالم الغربى أنها الأكثر استعدادا للحروب من أى بلد أوروبى والأكثر اقتحاما للسياسة الخارجية .
وتصور أن مصر ستترك في حالها حتى تتقوى وتبنى نفسها ، هو تصور ساذج بقدر ماهو غير واقعى . نحن أكثر من غيرنا في عين العاصفة كما نكرر دائما . قمة السذاجة أن تتصور أن عدوك ساذج ! مصر لابد أن تكون قوية وذات أسنان ، وأن ترسل رسائل واضحة لأعدائها . وأن تتحرش بمن يتحرش بها ، وأن تكون رسائل تهديدها للأعداء متوازية مع كل لبنة للبناء .

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading