الصورة للمدينة قديما
الخلافة الراشدة كانت نعمة كبيرة من الله سبحانه وتعالى لأنها قدمت للمسلمين حتى يوم الدين نموذج حكم أقرب ما يكون إلى المثالية ،وباجتهاد بشرى كامل أى بدون وحى وبدون الرسول صلى الله عليه وسلم وهو معصوم ومصان ومسلح بالوحى والإلهام . فسيظل يقول الناس عندما تكون مرحلته فى الحكم هى المثال المرتجى الوحيد ، سيظل يقول بعض الناس : والله لقد كان نبيا وحكام اليوم ليسوا بأنبياء ولا يمكن أن يرتفعوا إلى مستواه . ولكن الخلافة الراشدة كانت فى ظل قيادة منقطعة تماما عن الوحى ، ولا يمكن وصفها كما وصف الرسول عليه الصلاة والسلام : وما ينطق عن الهوى إن هو وحى يوحى.
وبالتالى فإن اتخاذ الخلفاء الراشدين قدوة أمر ميسور أكثر . ولكننا نعتبر ان المرحلتين معا : حكم الرسول عليه الصلاة والسلام وحكم الخلفاء الراشدين قدوة واحدة متكاملة مع إدراك الفرق الجوهرى بينهما ، فمرحلة الرسول عليه الصلاة والسلام ترقى إلى مستوى التشريع الثابت الذى لا اجتهاد معه فى الأمور القطعية : فى العبادات والتشريع وكل ما ثبت مؤكدا وصحيحا عن رسول الله .ولكن آراء ومواقف الخلفاء الراشدين لا ترقى إلى مستوى التشريع . وهم لم يدعوا أنهم أضافوا شيئا إلى التشريع والشريعة . بمعنى التشريع الأساسى الثابت لا بمعنى التشريعات الفرعية التى لن تنتهى إلى يوم الدين بشرط عدم تعارضها مع النصوص الثابتة . تجربة الخلفاء الراشدين تطبيق حى سليم للشريعة فى ظروف جديدة ومتغيرة . وإن كانت تحتمل المناقشة والاجتهاد فى فهمها أو الاقتداء بها . وهذا ما يعلمنا كيفية استخدام العقل فى الاجتهاد الشرعى مع كل ظهور لوقائع جديدة ، وهى تظهر وستظهر حتما مع تبدل أحوال الدنيا وظهور متغيرات جديدة . المهم هو فهم وتبنى المنهج الذى ساد فى صدر الاسلام ، لا أخذ قرارات مرحلة الخلافة الراشدة وسياساتها بحرفية لأن الدنيا تغيرت من كل الزوايا وفى مختلف المجالات . ولكن هذا لايستدعى تغيير المنهج . كذلك هناك أمور يجب تبنيها حرفيا لارتباطها بالثوابت وإذا ارتبطت بالإجماع . وهذا الفرز والتمييز هو مهمة المجتهدين فى كل عصر . فمثلا حاولنا فى هذه الدراسة فى الفصول السابقة أن نأخذ بالمبادىء العامة فى التعامل مع الردة من خلال تجربة عهد الصديق ، وكذلك السياسة التى اقترحها عمر بن الخطاب وأقرها الصحابة بالشورى بخصوص عدم توزيع الأراضى فى البلاد المفتوحة على المقاتلين فى إطار توزيع الغنائم . أما سياسة بيت المال حتى فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصعب الأخذ بها فى العصر الحديث لتغير الظروف الاقتصادية كلية كسياسة توزيع الأعطيات والتى اختلفت من عهد خليفة لآخر . كان رسول الله لا يترك شيئا يذكر فى بيت المال ، ويوزع الغنائم والأعطيات من كل الموارد التى تصل إليه وبدون أن يترك شيئا يذكر كرصيد فى الخزانة العامة . لأن الموارد كانت محدودة للغاية . وهو أمر غير ممكن فى العصر الحديث ولكننا نأخذ من سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم فكرة الدعم العينى والضمان الاجتماعى والدعم النقدى . فى عهد الرسول لم تكن هناك ميزانية دقيقة لدولة صغيرة فى المدينة ، ولكن حدث ذلك تدريجيا مع زيادة الموارد فى عهد الخلفاء الراشدين . وأنا لا أناقش هذه الأمور تفصيلا الآن ولكن أضرب أمثلة للتفرقة بين الثوابت والمتغيرات فى أمور إدارة الدولة فى المجال الاقتصادى وغيرها من المجالات .
وبالتالى فإن الثوابت نظل نلتزم بها أما المتغيرات فالاجتهاد فيها مفتوح بالضوابط الشرعية ، أى بما لايخالف نصوص الشريعة التى تركت لنا مساحات واسعة للمباح .
ويظل فى مجال التشريع فإن التشريع فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم غير قابل للأخذ والرد ولكن يلتزم به ويوضع تحت مجهر التفسير والفهم فحسب ، على خلاف التشريع فى عهد الخلفاء الراشدين الذى يسمح بالحوارحوله والاجتهاد فيه . أم القرارات الادارية فى العهدين : عهد رسول الله وعهد الخلفاء فهى غير ملزمة لأنها كانت تعالج أموارا وقتية . كتفاصيل سياسة الأعطيات التى اختلفت بين عهد أبى بكر عن عهد عمر بن الخطاب مثلا . وبهذا المعنى نفهم أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخلافة الراشدة :
عليكم بسنتى وسنة الخلفاء المهديين الراشدين ، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجز ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة – أبو داود
يتبع
الحلقة 88 من دراسة المستطيل القرآنى – الجزء الثانى
magdyahmedhussein@gmail.com
