أرى أن التطور الفكرى للحركة القومية العربية هو بيت القصيد لاستعادة فاعليتها على مجمل مساحة الوطن العربى ومن ثم الاقليمى والعالمى .
كانت هناك جهود كبيرة قد بذلت للتقارب الفكرى والسياسى بين التيارين القومى والاسلامى خلال أعوام الثمانينيات من القرن العشرين وما بعدها
ولكن حدثت انتكاسة خلال مرحلة الثورات العربية عام 2011 ولا أريد الآن تقييم ما جرى فى هذه الثورات ولا فى البحث عن المسئولية فى هذه الانتكاسة . . وأحسب أننى وحزبى العمل \ الاستقلال نمثل حالة فريدة فنحن نقول صراحة بدون مواربة أو التفاف نحن نمثل تيارا قوميا اسلاميا . أو نقول نحن حركة -مصرية – عربية – اسلامية .
لدى كتابات كثيرة فى نقد الحركة الاسلامية فى الوطن العربى باستثناء حركات المقاومة ضد الاحتلال والاستعمار فى فلسطين ولبنان . وليس هنا مجال طرحها . ولكن ما أريد قوله وأقترحه أن يجرى التيار القومى العربى الحوار مع ” الاسلام ” نفسه ، الاسلام من مصادره الأصلية فى القرآن الكريم والسنة المؤكدة . أقصد انفتاح التيار القومى على دراسة الاسلام نفسه فى ظل التجارب الواسعة والعملية والسياسية الغنية للتيار القومى وهذا مفتاح أساسى لتطوير الحركة القومية لاستعادة الزمام و المشاركة فى إنقاذ الأمة مما هى فيه من تردى الأوضاع المرئية للجميع .
لقد اثبت طوفان الأقصى والتفاعل القومى المخلص مع نضال الشعب الفلسطينى و مع نضال الشعب اللبنانى برايات اسلامية سنية وشيعية ومشاركة القوى القومية على الساحتين بأقصى ما تملكه من قوة وإمكانيات بل فى كل الوطن العربى . أثبت كل ذلك أن ماهو قومى وماهو اسلامى يجمعهما فى الحقيقة أكثر مما يفرقهما .
ولكننى لا أعول كثيرا على الحوار بين التيارين القومى والاسلامى إذا كان سيضم التنظيمات التقليدية التى لم تحسم أمرها على معاداة الحلف ال… الأمريكى . بل أرى ان هذا الأمر غير مرغوب فيه .. فالحوار يكون فقط على قاعدة الاصطفاف ضد العدو الغاصب والزاحف على أمتنا وعلى أرضنا وعرضنا وثرواتنا .
ومع ذلك أرى أن تفاعل التيار القومى مع الاسلام ذات نفسه هو الأهم . فالتيار القومى هو الأولى بثوابت الاسلام العظيمة . ولابد من تحرير الاسلام من أيدى التنظيمات التى ترفع راية الاسلام وهى تتحالف مع الولايات المتحدة والغرب .. بل وصل الأمر إلى فتح خطوط التعاون والتفاهم والتنسيق مع الك.. ذاته ، وقد كانت هذه من المحرمات المجمع على رفضها من المحيط والخليج قبل كامب ديفيد . إن قطاعا عريضا من الاسلام السياسى يسير فى هذه اللحظة كتفا بكتف بل يمجد الحكم السورى الحالى المنفتح على … وأمريكا . وكذلك على حكم أردوجان ويعتبرون أن الاثنان هما أبرز قادة التيار الاسلامى . وما كان قادة الاسلام ولا حتى الأفراد العاديين من المسلمين يمكن أن يكونوا أعضاء فى حلف الناتو الاستعمارى الذى دمر يدمر بلادنا ، ولا منتسبين للمخابرات البريطانية .
لابد من تحرير الاسلام وفك قيود هذه الحركات- المنتهية الصلاحية- عن الاسلام . لابد للأمة أن تستعيده كما هو وكما أرسله الله عز وجل للعالمين . هذا واجب الأمة جميعا ومن باب أولى للنخب القومية التى بنت مجدها على أساس مناصبة العداء لهؤلاء المعتدين ، وبناء الحضارة المستقلة التى ترفع رأسها مجللة بكل آيات العزة والفخار والشرف .
ما أطرحه هو موضوع فكرى عريض وكبير يحتاج لإنفاق الساعات والأيام فى الحوار والدرس ولكن المهم أن نتفق عليه من حيث المبدأ كأحد محاور التقدم الأساسية . ولذلك أشير إلى بعض العناوين الأساسية فحسب :
1 الايمان بالله – التوحيد . والقوميون هم جميعا مؤمنون بالله موحدين به . والايمان بالله قوة وشحنة طاقة جبارة فى عمليات البناء والتنمية والمقاومة والمواجهة المسلحة مع الأعداء .
2 يقدم القرآن الكريم أساسا عقائديا عميقا لقضية الاستقلال : موالاة المؤمنين دون الكافرين ” لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله فى شىء . “
الاستقلال هو واحد من 3 أبرز شعارات الحركة القومية : وحدة – حرية – اشتراكية . على خلاف فى الترتيب . والمقصود بالحرية هنا هى حرية الوطن أى استقلاله أى تحرره من الاستعمار .
القومى العربى ليس عنده حساسية من مصطلح الكفر الذى تكرر فى القرآن الكريم قرابة 500 مرة ، لأنه مؤمن بالله . والقرآن لم يدعو إطلاقا لمقاتلة المخالفين فى الدين أو الفكر . ولكن دعا إلى مقاومة المعتدين . فالكفار المعتدون هم المشكلة . أما الانسان الذى لا يفتح الله عليه بالايمان فهو حر . “ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ” . إن مصطلح الكفر فى القرآن يكاد يتطابق مع المستعمرين الامبرياليين المعتدين المحتلين وعملائهم المباشرين أو الجواسيس . وهنا يتفق القومى العربى مع القرآن بدون تكلف .
بل إن هذا الفهم سيفيدنا عندما نتحاور مع اليسار الوطنى المخلص الذى يكاد يكون قوميا عربيا .
3 الوحدة : القرآن يدعو صراحة إلى الوحدة بل يعتبرها أساس الايمان . نعم والله العظيم !
والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض
إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون . وفى آية أخرى وأنا ربكم فاتقون . ولايقلل من ذلك أن الخطاب موجه إلى أمة الاسلام فالعرب 90 منهم مسلمون تقريبا . وبالتالى فإن توحد العرب هو أساس توحد المسلمين فى مرحلة تالية . وهذا ما حدث فى التاريخ وسيتكرر فى مرحلة التحرر الحالية . والعرب هم مادة الاسلام الأصلية . والقرآن عربى والنبى عربى , وقد قدمت تنظيرا طويلا لذلك فى كتابى المستطيل القرآنى . فالجغرافية القرآنية كلها تدور على أرض العرب : المشرق العربى وكل الوطن العربى الآسيوى + مصر .
اللغة العربية تساعد فى التقارب الثقافى والتفاهم بين الشعوب العربية ومن الطبيعى أن تكون الوحدة العربية هى الأولى وهى نواه الوحدة الاسلامية ، ليس بمعنى الوحدة المركزية الصارمة . ولكن على طريقة التجمعات التى نراها فى الاتحاد الاوروبى وغيرها .
تحدث عبد الناصر فى فلسفة الثورة عن الدائرة العربية ثم الافريقية ثم الاسلامية .
4 الاشتراكية
قدمنا دوما تصورنا للاسلام على أساس أن العدالة الاجتماعية هى محور أساسى من محاوره . مرة أخرى الاسلام يعنى القرآن الكريم والسنة المؤكدة وهو أقل من الشائع عنه وهذا يحتاج لبحث طويل . كذلك فإن كل التراث الفقهى ليس ملزما لنا فى شىء إلا أن نقتنع ببعض ما فيه . فالظروف التاريخية الواقعية اختلفت . وقد كان اجتهاد أفراد وليس تنزيلا سماويا .
الزكاة على سبيل المثال إذا طبقت بشكل صحيح ستكون أحد محاور تطبيق العدالة الاجتماعية . دور الدولة فى الاقتصاد أساسى فى الاسلام أى ما نسميه الآن القطاع العام . ومسئولية الدولة عن توفير الخدمات الأساسية للمواطنين .
لا أريد أن أطيل عليكم .. فهذه فكرتى وقد طرحتها من قبل على تجمع كل التيار الناصرى فى السحور فى رمضان الماضى . هذه فكرتى بين أيديكم . وأتمنى لكم التوفيق .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
مجدى أحمد حسين
مصر
