لم يجد أحمد والد فهمى حرجا فى الاحتفال السنوى بذكرى رحيل جلفدان هانم أم زوجته وفاء حيث لا يوجد فى الاسلام أى نص يدعو للاحتفال بالذكرى السنوية للمتوفى . ولكن لا يوجد نص يمنع ذلك !! ويستند المتشددون أو السلفيون إلى حديث الرسول : كل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار . وعندما كبر فهمى ظل يفكر كوالده و يلتزم أساسا بالنبع الصافى : القرآن والسنة المؤكدة . ويرى أن هذا الحديث عن البدعة المقصود به البدعة فى الدين . أما ابتداع أو إقرار العيد الوطنى للاستقلال أو العلم أو النشيد القومى أو عيد الميلاد أو الذكرى السنوية فهذه كلها لاتتصل بالشعائر الدينية ولا العبادات . بل رأى فهمى مع تقدمه فى العمر أن أعياد الميلاد تحقق بعض مقاصد الشريعة الاسلامية بل واحدا من أهم هذه المقاصد : صلة الرحم . فبعد العيدين ورمضان ربما لا تلتقى أطراف الأسرة طوال العام ، وتكون أعياد الميلاد فرصة لتجمع الأعمام والخالات وأولادهم فى بيت واحد وسهرة واحدة ولا يوجد أى عمل منكر فى ذلك !! بل تتوثق الأواصر الأسرية بأجيالها المختلفة وأيضا علاقات الأجيال الشابة مع بعضها بعضا . وبعد ذلك قام فهمى أحيانا بتنظيم أعياد ميلاد لأولاده عندما كانوا صغارا ولذلك لم ير أن والده قد كرس بدعة بالاحتفال بذكرى رحيل أم زوجته . قد كان يعزز بهذا الاحتفال السنوى صلة الرحم بين فروع أشجار العائلة بأجيالها المختلفة ، ويعيد إحياء ذكرى هذه السيدة المحترمة التى ضربت أمثلة رائعة فى الأمومة وتربية الأطفال . فى هذا اليوم المشهود كان يأتى شيخ لقراءة القرآن ويتجمع أخوة وفاء : خالات وخال فهمى مع أولادهم وكذلك أولاد خالة وفاء ، وجلفدان هانم هى خالتهم ، ويكون عيدا حقيقيا أو جمعية عمومية للعائلة ، ويتم أخذ صورة كبيرة للحاضرين على يد مصور محترف ، ويتجمعوا حول المشروبات والمأكولات فى صورة بوفيه مفتوح حتى يتسع المكان للجميع ، ولم يكن تقليد “الأوبن بوفيه” قد أصبح مشهورا بعد فى البلاد ! كان يوما للهزار والمزاح واللعب بين الصغار وأحيانا بين الصغار والكبار ، مع دردشة بين الكبار فى أحاديث اجتماعية وبعض ذكريات التاريخ وقليل من السياسة .
لم ير فهمى جدته جلفدان رغم أنها كانت على قيد الحياة حين مولده ولكنها فارقت الحياة وهو ضغير جدا فلا يتذكرها ، ولكنه يعرفها من صورتها المعلقة على الجدار وهى محجبة ، يوحى سمتها بالوقار والجدية والاستقامة .
جلفدان تركية ولكن زوجها مصرى وهى انتقلت من بلاد الترك ، من جزيرة كريت عندما كانت تابعة لتركيا انتقلت مع أسرتها واستقرت فى مصر ولذلك تمصرت ، ولم يسمع فهمى شيئا عن زوجها فيبدو أنه رحل مبكرا وكرست جلفدان حياتها لتربية 3 بنات وولد . وفاء الكبيرة ثم تاتو ثم مهدية ثم مراد الأصغر ، وكانت أحسن تربية فأنت تعلم الأم من خلال أخلاق أولادها وبناتها . من الأمور التى يندم عليها فهمى عندما تقدم به العمر أنه لم يهتم بتقصى أخبار أسرته خاصة فرع أمه ، لأن والده كتب فى مذكراته عن فرعه هو . يندم أنه لم يفهم جيدا مسألة الأصول التركية لجدته ، حتى انه عرف عرضا وهو كبير أن هذه الأسرة جاءت لمصر من جزيرة كريت عندما كانت تابعة لتركيا وهى الآن تابعة لليونان . فهل نشأت الأسرة فى كريت أم انتقلت إليها من تركيا، بل علم أيضا بطريق المصادفة أن الأسرة كانت تمتلك مزرعة من العنب فى كريت مساحتها 80 فدانا . وتساءل لماذا لا نطالب بها ؟! بل ماهو عنوانها بالضبط ؟ وهل لها أوراق تثبت ملكيتها ، بل هل لاتزال موجودة أصلا ويثمر فيها العنب ؟!
من كثرة الفجوات وقلة المعلومات تبدو الأصول التركية لجدة فهمى مسألة غائمة وسديمية ، بل تبدو مسألة أسطورية . الأمر الوحيد الذى لا شك فيه أن الدماء التى تجرى فى عروقه بها مكون تركى . وكثيرا ما كان يضحك وهو يقول لأصدقائه إنه يفهم الآن جذور العند والعناد فى تكوينه ، فلقد جمع بين العناد التركى وصلابة أو ” نشفان ” المخ الصعيدى من جذور جده لأبيه ، وقد علم أن جده الأكبر ” دهب ” من سوهاج !!
يغتاظ فهمى عادة من رسوم الكاريكاتير التى تخوض حملات ساخرة ضد الحموات ويعتبر هذه سخافة غير مقبولة ، ففى دائرة الأسرة لم يعرف سوى الحموات الطيبات . كانت جلفدان أم وفاء داعمة أساسية لها خلال جهاد زوجها ضد الانجليز والملك ، وكانت تساندها فى تربية أولادها وفى شد أذرها ، ولم تكن تحمل على زوجها أحمد نزيل السجون الدائم فتقول لماذا يشغل نفسه بالسياسة ويترك أسرته ؟ بل كانت متعاطفة ومقدرة لدوره الوطنى ، بل كانت هى المهدئة لغضب ابنتها من زوجها أحيانا .
روت وفاء لابنها فهمى يوما قصة عن أخلاق أمها جلفدان فقالت : عندما زارت جيران لها قدموا لها القهوة وكانت مختلطة بالجاز ، ولكنها أصرت على تجرع فنجان القهوة كله حتى لا تحرجهم إذا امتنعت عن شرب القهوة أو قالت لهم عن سبب امتناعها .
لقد ارتبطت وفاء بأمها حتى انها ظلت تبكى لسنوات طويلة بعد رحيلها كلما سمعت أغنية فائزة أحمد ” ست الحبايب ” . وعندما كبر فهمى أدرك فعلا جمال هذه الأغنية : كلمات ولحن وغناء وأداء . وعلم أن الكلمات لحسين السيد واللحن لعبد الوهاب . وبعد مرور أكثر من نصف قرن لا تزال هى الأغنية الوحيدة الناجحة التى تحتفل بالأم ، وبقدر ما يعكس ذلك نجاح تلك المرحلة بقدر ما يعكس إفلاس الحياة الفنية والأدبية فى أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الواحد والعشرين . وفى شيخوخة فهمى بدأ يرث عن أمه عادة البكاء كلما استمع لهذه الأغنية ولكنه يبكى متذكرا أمه لا جدته التى لايعرفها ! هو قليلا ما يسمع الأغانى فى عمره المتقدم ، فهو لا يفتح المذياع من أجل الأغانى ولكن من أجل نشرات الأخبار . ولكن تأتى إليه احيانا بعض النوبات فيستمع إلى الأغانى على الانترنت ولكن خلال قيامه بأعماله الكتابية ، وكذلك يستمع للأغانى أكثر عندما يكون فى السجن أو فى السيارة !
عندما تقدم فهمى فى العمر بدأ يدرك أن ألفاظا تركية تسربت إليه دون أن يعرف من والدته أو خاله أو أولاد خالة والدته .. لم يكن يعرف أنها ألفاظ تركية مثل .. يواش يواش أى شوية شوية أو مهلا مهلا .. أبلة وهى الأخت الكبيرة – آبيه وهو الأخ الأكبر . وهذه من علامات الأدب داخل الأسرة التركية فلابد من نداء الأخت الأكبر بهذا اللقب ” أبله ” والأخ الأكبر بهذا اللقب ” آبيه ” .
الأخلاق ، الدقة ، النظام : هذه خصائص مشتركة لأولاد جلفدان . ولكن عناصر الدقة والنظام تظهر بصورة فائقة عند ابنها الأصغر : مراد الذى وصل يوما إلى مرتبة وزير التربية والتعليم .
لم يشعر فهمى أبدا بمسألة العنصر التركى فى كل هؤلاء .. كانوا مصريين معجونين بالمصرية حتى النخاع ، فجدهم مصرى وجدتهم تركية متمصرة استوطنت فى مصر وهم جميعا ولدوا وتربوا فى مصر . ومن الطرائف أن أحد أبناء خالة والدته لم يرث كراهية الأتراك لليونان بالعكس فقد كان أقرب الأصدقاء إليه وأحبهم إلى قلبه يونانيين وكان يجتمع معهم بانتظام فى النادى اليونانى ، وكان يسافر للسياحة كثيرا إلى اليونان ويأتى من هناك بنماذج من فنونهم وتحفهم ويعلقها فى بيته .
كان هذا البعد التركى غائبا عن ذهن فهمى طوال حياته ولم يكن لهم أى صلة بأى أحد فى كريت أو تركيا . فعائلة جلفدان نموذج حى على مسألة امتصاص مصر للعناصر الأجنبية وتمصيرها خاصة إذا كانت مسلمة وبالتالى تنقطع صلتها نفسيا وعمليا وماديا وعضويا بالبلد الأصلى ، وتذوب فى المحيط المصرى . ولا شك أن بعض الصفات الحسنة يمكن أن تتسلل : الأخلاق – التدين – النظام – الدقة – الاعتزاز بالنفس والاحترام فى التعامل الاجتماعى وقد تتسلل عناصر غير طيبة كصلابة الدماغ ، وهذه مسألة مزدوجة فقد تكون مفيدة فى الحق ومضرة فى الأمور الشخصية ،و كالكبرياء أو التعالى أو الحدة ، وهى عناصر داخلة فى الشخصية التركية .
أولاد إحدى خالات أم فهمى كان والدهم من أعماق المنوفية وأخذوا من أحمد والد فهمى تقليد تجميع العائلة ولكنهم كانوا يفعلون ذلك أسبوعيا كل جمعة طوال السنة . وفى الصيف كان لديهم روف به قصارى زرع وصبار وهو أشبه بسطوح ملحق بالشقة العليا فى البيت الذى يمتلكونه ، كان الاجتماع يتم فيه وكان منتدى اجتماعى لا يتحدث إلا قليلا فى السياسة . عندما كبر فهمى كان يحضر هذا اللقاء ولكن ليس بصورة منتظمة لأن ميوله الفكرية واهتماماته كانت مختلفة ، ولكنه كان يحبهم ويقدرهم بل كان سعيدا بهذا التقليد الذى يحافظون عليه وهو لقاء الجمعة ، أى تعزيز صلة الرحم . وكانوا يدعون . أطرافا من العائلة من ناحيتهم كما حرصوا على دعوات مماثلة لعدد أصغر لتناول الغداء يوم الجمعة أيضا من حين لآخر ، وكانت ولائم حقيقية . كانت روح طيبة للغاية وظلوا يواظبون على هذه التقاليد حتى الممات .
كانت العلاقات الأسرية معهم تتسم بالروح الاجتماعية والانسانية الخاصة ولم تكن تجمعا عائليا لبحث المصالح المشتركة أو تبادل المنافع ، فقليلا أو نادرا ما يطلب فهمى منهم أى طلب أو مساعدة فى مسألة معينة . وكان أحدهم ضابط شرطة وصل إلى مرتبة مساعد وزير الداخلية والآخر محام كبير ، كانت علاقات انسانية لوجه الله فعلا ولتعزيز صلة الرحم .
