مشروع برنامج الانقاذ الوطنى – 5 : أمة تختنق على مساحة 6 % من أراضيها – مجدى حسين

التركيب السكانى وحسن التوزيع:

لعل أبرز مشكلات البلاد نتجت عن التعامل العشوائى مع مسألة التركيب السكانى وحسن توزيع السكان, فهناك خاصية تميز مصر وهى نادرة بين البلدان الأخرى.وهى تركز معظم السكان فى6 % من مساحة البلاد. وقد أدى تزايد السكان إلى حالة من التكدس غير المسبوق فى الدلتا والوادى, وأدى إلى تجريف أكثر من2 مليون فدان من أجود الأراضى الزراعية. وأدى اختفاء الطمى الذى يجدد التربة (بعد بناء السد العالى) إلى تراجع عام فى جودة الأراضى، بالإضافة لزيادة ملوحة الأرض فى شمال الدلتا، مع احتمال تآكل أجزاء من الدلتا فى السنوات القادمة فى إطار المتغيرات المناخية وارتفاع مستوى البحر.

وكان الخبير المصرى المعروفرشدى سعيدقد طرح مشروعا فى منتهى الأهمية، نحن نعتبره مشروع حياة أو موت..

المشروع يقوم على فكرة أساسية وهى إعلان حالة الطوارىء الرسمية والشعبية لإنقاذ ما تبقى من الوادى والدلتا, واعتبار هذه المنطقة محمية طبيعية، ويوقف البناء فيها إطلاقا، بل يتم نقل ما يمكن نقله مما بنى بالفعل من مبانى رسمية ومصانع إلى خارج الوادى (فى الصحراء). ويتضمن المشروع وقف تصدير الغاز الطبيعى وتوجيه كل الناتج المحلى للنهضة الصناعية.

المشروع فكرته بسيطة, ولكن حيوية إلى أبعد مدى, لأنه يستهدف الحفاظ على مصر الزراعية، ولكن تنفيذه يحتاج لعزم الرجال وروح الجهاد. المشروع يشير إلى الحفاظ على مصر الزراعية كحد أدنى ضرورى لضمان الأمن الغذائى, ولكنه يؤكد أن النهضة الاقتصادية الكبرى لابد أن تكون فى الصناعة.

غزو الصحراء:

شعار غزو الصحراء عن طريق زراعتها تردد كثيرا، دون مراعاة لحقائق العلم، فالمعروف تاريخيا وجيولوجيا أن الصحراء لم تكن كذلك فى الماضى, وكانت موزعة بين البحار والأنهار والمزروعات, وأن ظروفا مناخية متغيرة أدت إلى تصحرها. وبالتالى فإن الصحراء نتاج ظرف مناخى تاريخى، من أهم ملامحه ندرة المياه وارتفاع درجات الحرارة. وبالتالى فإن الحديث عن زراعة الصحراء يجب أن يتم بحذر, وأن يتركز على الأراضى المتاخمة للوادى والدلتا, وهذا ما حدث بنجاح فى فترات سابقة. فالظروف المناخية تكون ملائمة وإمكانية توصيل مياه النيل تكون سهلة وأقل تكلفة. مع مراعاة أن مصر بدأت تدخل فى مرحلة الفقر المائى, وهذه أهم عقبة تواجه مسألة التوسع الزراعى عموما فى مصرما المياه الجوفية فلابد من الاستعانة بهامع ملاحظة أنه لا توجد تقديرات علمية دقيقة لحجم هذه المياه فى الأماكن المختلفة,والمعلومات العلمية المتوفرة حتى الآن أنها غير متجددة ولابد من استهلاكها بحذر .

وتوصل العلماء بالتجارب إلى معادلة بسيطة للغاية تقول: الزراعة = الماء. بمعنى أن الماء هو الشرط الضرورى وربما الوحيد للزراعة، فهناك مزروعات تم استنباتها فوق المياه بدون تربة.والبحر به مزروعات، والصحراء بها مزروعات فى حدود الأمطار التى تهطل أو العيون التى تتفجر. وبالتالى فإن كثرة الحديث عن غزو الصحراء باستخدام مياه النيل غير سليم وبدون جدوى اقتصادية أو عملية ، لأن نصيب مصر من المياه يتناقص كل عام مع زيادة عدد السكان. ومهما سعينا لبدائل أخرى كتحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحى والزراعى فسنظل بالتأكيد من البلاد التى لا تتمتع بوفرة من المياه. وهذا يعنى أن إمكانياتنا فى التوسع كبلد زراعى محدودة. مما يحتم ضرورة الحفاظ على ما تبقى من الأراضى الصالحة للزراعة لضمان الأمن الغذائى, ولا شك أن أراضى الوادى والدلتا هى أخصب هذه الأراضى، ولابد من الحفاظ على ما تبقى منها.

أما الانطلاقة الكبرى للنهضة والتى ستمكننا من نقل ملايين المواطنين من الوادى والدلتا إلى الصحراء فهى الصناعة.

والذى حدث فيما يسمى المدن والمجتمعات الجديدة لم يكن موفقا من زاوية إعادة توزيع السكان, فقد بنيت المدن والمجتمعات الجديدة فى الصحراء بعد أن تم تدمير الأرضى الزراعية المحيطة بالمدن ، ومع ذلك فإن هذه المدن تحولت إلى امتدادات فعلية للقاهرة الكبرى، فهى لم تنشأ كمجتمعات مستقلة بها كافة الخدمات ويسكن فيها من يعمل فيها ويتعلم فيها. فأغلب سكانها يعملون خارجها، والعاملون فيها يسكنون خارجها وحتى فى مدينة العاشر من رمضان تجد كثيرا من العاملين فيها إما من القاهرة أو من الشرقية وبالتالى لم تتحول إلى مراكز مستقلة. وهكذا تحولت القاهرة الكبرى إلى مدينة مجنونة قطرها يتراوح بين 50 كيلو مترا إلى70 كيلومترا يعيش فيها قرابة(20 مليون) وهو أمر لا مثيل له فى العالم. ثم يجرى الحديث عن مشكلة مرور، وهل يمكن حل مشكلة المرور فى هذا الوضع؟! كما أن هذا التكدس لا يساعد على خلق ظروف مناسبة لعمل إنتاجى ولا حياة آدمية مناسبة.

وبالإضافة لكارثة القاهرة الكبرى، نجد أن الخروج من الوادى إلى الصحراء أخذ شكل الترفيه عن الأثرياء والسياح, فتم تحويل الساحل الشمالى إلى منتجعات خاصة على طول الطريق بين الإسكندرية ومرسى مطروح. بينما يرى خبراء الزراعة أن هذه المنطقة صالحة لزراعة 3 ملايين فدان من القمح بالتزاوج بين المياه الجوفية والأمطار. وقد تكرر نفس الشىء على طول ساحل البحر الأحمر حيث تحول إلى ساحل سياحى, دون أى اهتمام بتطوير أشكال أخرى من التنمية كالثروة السمكية والتعدينية، وتعمير سيناء تركز فى مشروعات سياحية فى جنوب سيناء. والمعروف أن المشروعات السياحية التى هيمنت على كل هذه المناطق الصحراوية لا تستوعب إلا أعداد قليلة من العاملين.

وبالتالى فإن كثرة الحديث عن الخروج من الوادى تحول إلى مجرد خروج المصطافين المصريين بالإضافة لاستقبال السياح الأجانب. ولم يؤد كل هذا الحراك إلى أى تعديل يذكر فى توزيع السكان.

وإذا عدنا من جديد إلى مشروع رشدى سعيدنقول إن ندرة الأرض الزراعية تجعل من العبث أن نبنى أى مشروع داخل الدلتا والوادى لا علاقة له بالزراعة. لذا ما معنى أن نبنى مصنعا على أرض زراعية، ثم نبنى مساكن للعمال على الأرض الزراعية.. إلخ. وليس المقصود بالصحراء هو الذهاب إلى أعماقها أو إلى أماكن سيئة المناخ كما ذهبوا فى توشكى, بل إن بناء التجمعات الصناعية يكون ملائما بالقرب من موانىء التصدير أو بالقرب من الوادى والدلتا. دون أن يكون ملاصقا لهما . سيناء أو

المنطقة من القاهرة للسويس كمثال نموذجى لذلك. ولكن ماذا حدث فيها؟ تم بناء عدة تجمعات سكنية تحولت إلى امتدادات للقاهرة,

وحدثت نفس الممارسة الخاطئة فى الصعيد فتحولت المدن الجديدة إلى مجرد امتداد للوادى, فلا يوجد بها أى نشاط إنتاجى ولا حياة مستقلة، بل تحولت الوحدات السكنية فيها إلى مجال للمضاربات على سعرها دون أن يتم إشغالها بالفعل.

وهكذا بعدعشرات السنين لم يتم إعادة توزيع السكان وزادت الحياة اختناقا ، وتخرج القرى تدريجيا من النشاط الزراعى وتتحول إلى مدن صغيرة فاشلةومن هذه الأماكن تحديدا يخرج آلاف الشباب يضحون بحياتهم فى هجرة غير شرعية لأوروبا عبر سفن الصيد!

ولن تنهض البلاد إلا عبر صحوة صناعية خارج الوادى والدلتا فى إطار مجتمعات متكاملة بها من الخدمات وأماكن الترفيه وأماكن السكن ووسائل النقل والمواصلات ما يجعلها جاذبة للعاملين من أجل الإقامة الدائمة(رشدى سعيد يقترح أيضا تفكيك المصانع القائمة وإعادة تركيبها خارج الدلتا والوادى).

لا مستقبل لمصركباقى الأمم الناهضة إلا بالاندفاع فى صحوة صناعية حقيقية، صناعة وطنية تقدم على تشغيل عدد كبير من العمال لإشباع الحاجات الأساسية للناس، وتقتحم مجالات الصناعة المتطورة من أجل احتياجات البلاد ومن أجل التصدير.

إن مواجهة أزمة تكدس السكان والبطالة وضياع رقعة الأرض الزراعية لا يمكن أن يتم إلا بضربة واحدة..هى النهضة الصناعية على أن تتموضع خارج الوادى.

مصر بلد طارد للسكان لأول مرة:

أصبحت مصر لأول مرة فى التاريخ بلدا طاردا للسكان، وبعد أن كانت جاذبة للمهاجرين من العرب والعجم، وهاجر المصريون بالملايين إلى بلاد العرب والعجم، قرابة 10 ملايين ، ورغم أن السياسات الاقتصادية الخاطئة مسئولة عن ذلك، إلا أن اكتشاف أماكن للرزق الأوسع كان سببا مهما إضافيا لهذه الظاهرة الجديدة. وهذه ظاهرة تاريخية يجب ألا تقلقنا فهى دورات، وكما استقبلنا ممثلين من شعوب أخرى، فيمكن لشعوب أخرى أن تستقبلنا فى ظروف أخرى.

على المستوى العربى نرى أن هجرة وتوطن المصريين ظاهرة إيجابية تساعد على تلاحم الشعوب العربية وإعادة انصهارها مع بعضها بعضا.

إن الهجرة المصرية المنظمة لأى بلد عربى ظاهرة إيجابية, شريطة أن تكون تحت السيطرة وتحت إشراف الحكومة المصرية، وأن تكون هناك علاقات منظمة معهم حتى لا تترك أحوالهم للظروف العشوائية حتى وإن حصلوا على جنسية أخرى ومن باب أولى أن يحدث ذلك مع الجاليات المصرية فى شتى أنحاء العالم, فكل هؤلاء قوة لا تقدر بثمن إذا أحسن توظيفها لخدمة مصالح البلاد.

*****

وفى ظل غياب خطة للتنمية تستوعب طاقات قرابة مليون وربع المليون من الباحثين عن فرصة عمل سنويا، فإن الذى أخر الانفجار الاجتماعى هو ما سميناه حالة الهروب الكبير من البلاد للعمل بالخارج, ولكن هذه الفرص تتعرض للتقلص بصورة كبيرة فى البلاد العربية، ، كما أن أوروبا ترفض وتقيد معظم الهجرة غير الشرعية.

وظهرت عملية الهروب للخارج منذ عقود، الآن يتعرض انسيابها لمشكلات كبيرة، فتحول الهروب إلى عمليات انتحارية عبر المتوسط .

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading