الخروج من معادلة القوة في الشرق الأوسط
د. حسني كحلة يكتب لـ «إيجبتك»
المفارقة أن القيادة السياسية المصرية في حرب أكتوبر 1973 ، تقدمت بتنازلات لم تقدمها البلاد في أعقاب الهزيمة العسكرية عام 1967، حيث انطلق بعدها في إحداث تغيرات جوهرية في النظام الاقتصادي أطلق عليه الانفتاح الاقتصادي ، قاد البلاد إلى دين خارجي غير مسبوق وتضخم جامح ، كانت له تأثيرات اجتماعية فادحة . بجانب قبول تنازلت صحبت فك الاشتباك الأول عام 1974 والثاني عام 1975 ، أدت إلى ضياع المكاسب الكبرى التي حققتها حرب أكتوبر ، مما أدى إلى تفكك النظام العربي ، وانهيار اتفاق القاهرة في لبنان عام 1975 ، واندلاع الحرب الأهلية بها . فقد تخلت أم الدنيا عن أبنائها .
كانت السياسة الاقتصادية – التي تعجل السادات في انتهاجها إرضاءً لأمريكا دون داعِ – قد أدت إلى سقوط البلاد في فخ الدين ، ومن ثم اضطر للذهاب لصندوق النقد الدولي واتباع توصياته ، التي أدت لمظاهرات شعبية لأول مرة منذ عام 1952، مما دفعه للذهاب إلى إسرائيل ثم الذهاب إلى كامب ديفيد.
كانت عقيدة الرئيس السادات السياسية منذ بداية حكمه ، والتي أخفاها عن كل من حوله ، تخالف سلفه. وهي أنه حل الأزمة في اجراء تسوية سلمية مع إسرائيل ترعاها أمريكا ، وقد اتضح ذلك منذ فبراير عام 1971حين قدم مبادرته لفتح قناة السويس ، واعتبار عام 1971 عام حسم قضية الاحتلال سلمًا أم حربًا ، وإنهاء مهمة الخبراء السوفييت عام 1972 ، وفي تطلعه للقاء كيسنجر الذي أصبح شخصية نافذة في السياسة الأمريكية . في الوقت الذي كنت أمريكا تتطلع إلى استعادة العلاقات مع مصر باعتبارها القائدة المؤثرة في مصالحها في الشرق الأوسط . وكانت مشكلتها أن إسرائيل تقف حجر عثرة أمام أي تسوية ، وكانت خطة نيكسون الأولى التي ينفذها كيسنجر هي دفع مصر حرب بطبيعتها ستكون محدودة لإحداث توازن يسمح بتشجيع الطرفين للتفاوض والتوصل لحل سلمي . لكن الرئيس السادات لم يدرك ذلك . وقد أدرك كيسنجر تلهفه ، فأخذ يتبع سياسة المماطلة طوال عام 1972 كما ذكر ذلك مارتن انديك وكيل وزارة الخارجية الأمريكية .
وفي عام 1973 التقى حافظ إسماعيلهنري كيسنجر مرتين الأولى في فبراير 1973 ، والثانية في مايو 1973، قدم له مشروعا لاتفاق سلام نفرد . لكن كيسنجر رفض وقال أنه لا يتدخل في أزمات باردة . وكان هذا يعني قيام حرب ، وهذا ما أكده أحمد أبو الغيط وزير الخارجية الأسبق في مذكراته ، أنه حين التقى كيسنجر فيما بعد ، وذكر له “أنت من دفع السادات لدخول الحرب” . فقد كانت أمريكا تعلم أنها ستكون محدودة ، ولكنها ستحقق توازن بين العرب وإسرائيل ، مما يمكن أمريكا من الضغط على إسرائيل لقبول تسوية ، وقد أظهرت وثائق الخارجية الأمريكية أن تلك كانت سياسة نيكسون التي يلتزم بها كيسنجر حتى الأسبوع الأول من حرب أكتوبر .
لكن انفراد الرئيس السادات المطلق بالقرارات دون أية مشورة ، سواء القادة العسكريين الذين تدخل في خطتهم ، تسببت في الثغرة وتبعاتها ، حتى أن ثلاثة من وزراء خارجيته استقالوا احتجاجًا على مواقفه. وقد أدرك ذلك هنري كيسنجر وغير استراتيجية نيكسون ، التي قامت على احداث توازن ، إلى استراتيجية أخرى منحازة بالكامل لإسرائيل ، وتقوم على تشجيعها بعدم قبل وقف اطلاق النار أطول فترة ممكنة . مما يمكنه من الضغط على الرئيس السادات وتحقيق أهدافه التي تتعلق بمصلحة إسرائيل ، التي كادت أن تنهار عقب العبور في 6 أكتوبر . وإرساء نظام اقتصادي عالمي يقوم على البترودولار ونظام إقليمي مركزه دول الخليج بسبب فوائض البترول ، تنتقل فيه مصر لدور هامشي . كل هذه النتائج غابت عن حسابات وفكر الرئيس السادات ، لانفراده المطلق بالتخطيط للسياسة الخارجية ، في عالم به صراعات كبرى ومصالح متناقضة ، تتطلب معرفة واسعة ودقيقة . كان اعتقاده أن تحقيق السلام هو في الخروج منها .. فين حين أن الصراع هو سنة الحياة والجهاد فيها هو الحل .
