
18 يونيو 2026
أثار الإعلان عن توصل الولايات المتحدة وإيران إلى مذكرة تفاهم يُتوقَّع أن يُوقِّعها البلدان في سويسرا يوم 19 يونيو 2026، حالةً من الغضب الواسع داخل إسرائيل، في ظل ما تضمَّنته من ترتيبات خاصة بوقف الحرب بين الطرفَين، والشروع في مسار تفاوضي جديد يمتد لمدة (60) يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الملفات العالقة، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني. وقد جاء ذلك فيما كانت إسرائيل تتوقَّع أن تفضي الحرب والضغوط العسكرية والاقتصادية التي مورست على إيران إلى فرض شروط أكثر تشدداً على طهران، خاصةً فيما يتعلق بالبرنامج النووي والقدرات الصاروخية ودعم وكلائها في المنطقة.
إلا أن التسريبات الخاصة بمذكرة التفاهم، والتي قام مسؤول في البيت الأبيض بنشرها لاحقاً مساء الأربعاء 17 يونيو 2026، بجانب التقارير التي كشفت عن استبعاد إسرائيل من مراحل التفاوض الرئيسية، دفعت العديد من التيارات السياسية والأمنية والإعلامية داخل إسرائيل إلى توجيه انتقادات حادة للاتفاق ولطريقة البيت الأبيض في إدارة المفاوضات. وقد بدا واضحاً أن حالة الاعتراض الحالية تتجاوز مجرد الخلاف حول بعض البنود التفصيلية، لتعكس مخاوف أوسع تتعلق بقدرة إسرائيل على التأثير في قرارات الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بالملف الإيراني، ومستقبل التوازنات الإقليمية خلال المرحلة المقبلة.
غضب متصاعد
أظهرت ردود الفعل الإسرائيلية تجاه الاتفاق الأمريكي الإيراني حالة من الغضب الشديد داخل الأوساط السياسية والأمنية والإعلامية؛ حيث اعتبر كثير من المسؤولين أن الاتفاق لا ينسجم مع الأهداف التي سعت إسرائيل إلى تحقيقها خلال المواجهة الأخيرة مع إيران.
وقد بدأت ملامح هذا الغضب تظهر مع التقارير التي تحدثت عن رفض الإدارة الأمريكية إطلاع إسرائيل على تفاصيل مذكرة التفاهم خلال مراحل إعدادها؛ الأمر الذي أثار استياءً واسعاً داخل الحكومة الإسرائيلية، خاصةً مع الحديث عن تهميش دور إسرائيل في عملية التفاوض رغم كونها طرفاً رئيسياً في الحرب مع إيران.
كما كشفت تقارير إسرائيلية عن تدخل مباشر من الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” لإلغاء ضربة جوية إسرائيلية واسعة كانت تستهدف العديد من الأهداف داخل إيران قبل وقت قليل من تنفيذها، وهو ما عزز الانطباع بوجود تباين متزايد بين واشنطن وتل أبيب بشأن كيفية إدارة المرحلة التالية للحرب.
وفي هذا السياق، أكد بعض المسؤولين الإسرائيليين أن إسرائيل ليست طرفاً في الاتفاق، فيما شدد رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو” على أن تل أبيب لا تعتبر نفسها ملزمة بأي تفاهمات تتعلق بالساحة اللبنانية، رافضاً أي ترتيبات قد تؤدي إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان أو تقييد عملياتها العسكرية ضد ميليشيا “حزب الله”.
وبالتوازي مع ذلك، صعَّد وزراء في الحكومة، مثل “إيتمار بن غفير” و”بتسلئيل سموتريتش”، من لهجتهم تجاه الاتفاق؛ إذ اعتبر “سموتريتش” أنه “اتفاق سيئ لإسرائيل وللعالم الحر بأسره”، فيما أكد “بن غفير” أن إسرائيل غير ملزمة به. وشدد الاثنان على ضرورة مواصلة الضغوط على إيران ومنعها من امتلاك سلاح نووي، بجانب الحفاظ على حرية عمل الجيش الإسرائيلي في لبنان، وعدم القبول بأي ترتيبات تحد من عملياته ضد ميليشيا “حزب الله”.
كما صعدت المعارضة الإسرائيلية هجومها على الاتفاق والحكومة الإسرائيلية؛ إذ وصف رئيس حزب “الديمقراطيين” “يائير جولان” الاتفاق بأنه “أكبر فشل استراتيجي في تاريخ إسرائيل”، مُحملاً “نتنياهو” مسؤولية إضعاف قدرات الردع الإسرائيلية، كما رأى رئيس حزب “أزرق أبيض” “بيني جانتس” أن الاتفاق يمثل فشلاً استراتيجياً ستكون له تداعيات سياسية وأمنية طويلة الأمد.
أسباب مختلفة
يمكن القول إن ثمة أسباباً عديدة تقف وراء تصاعد الغضب الإسرائيلي تجاه الاتفاق الأمريكي الإيراني، تتمثل فيما يلي:
1– الشعور بتهميش دور إسرائيل في إدارة أحد أهم الملفات المرتبطة بأمنها القومي: جاءت ردود الفعل الإسرائيلية الغاضبة بالتوازي مع تسريبات إعلامية كشفت أن إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” رفضت إطلاع إسرائيل على تفاصيل مذكرة التفاهم مع إيران، وهو ما عزز الانطباع داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية بأن تل أبيب لم تَعُد شريكاً رئيسياً في إدارة الملف الإيراني كما كان الحال في مراحل سابقة. وقد زادت حدة هذه المخاوف مع اعتراف رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو” بأنه لا يعرف تفاصيل الاتفاق بصورة كاملة؛ الأمر الذي دفع بعض وسائل الإعلام والمعلقين الإسرائيليين إلى توجيه انتقادات للرئيس الأمريكي “ترامب” مع حديث عن تراجع ثقة إسرائيل بإمكانية الاعتماد على الولايات المتحدة.
2– انتقاد رؤية “ترامب” لإنهاء الحرب دون ترتيبات استراتيجية جديدة: يرتبط جانب من الغضب الإسرائيلي بقناعة متنامية داخل الأوساط الإسرائيلية بأن إدارة “ترامب” تراجعت عن سياسة الضغوط القصوى والخيار العسكري التي تبنتها في بداية المواجهة مع إيران، بل اعترفت بالفشل في مهمة إسقاط النظام الإيراني. وقد تعزز هذا الانطباع بعد الكشف عن تدخل الرئيس الأمريكي لإلغاء ضربة إسرائيلية واسعة ضد أهداف داخل إيران، فضلاً عن انتقال واشنطن إلى مسار تفاوضي لا يتضمن معالجة أهم الملفات التي أدت إلى اندلاع الحرب. ومن ثم، فإن الاتفاق، وفق الرؤية الإسرائيلية، يعكس رغبة أمريكية في إنهاء الحرب أكثر من كونه محاولة لفرض ترتيبات استراتيجية جديدة تحد من القدرات الإيرانية مستقبلاً.
3– القلق من بقاء عناصر القوة الاستراتيجية لإيران: ترى العديد من الاتجاهات في إسرائيل أن الاتفاق المطروح لا يتضمن معالجة القضايا التي كانت تعتبرها أهدافاً رئيسية للحرب، والضغوط التي مورست على إيران خلال السنوات الماضية؛ فمذكرة التفاهم لا تنص على تفكيك البنية التحتية للتخصيب النووي، أو إخراج المواد المخصبة من إيران، كما أنها لا تشمل برنامج الصواريخ الباليستية أو شبكة الميليشيات المرتبطة بطهران والمنتشرة في الإقليم. ومن هنا، ووفق هذه الرؤية، فإن الاتفاق يمنح إيران فرصة للاحتفاظ بعناصر قوتها الاستراتيجية، مع الحصول في الوقت نفسه على مكاسب سياسية واقتصادية كبيرة.
4– الخشية من قيام إيران بمضاعفة قوتها بسبب المكاسب الاقتصادية: تزايدت الانتقادات الإسرائيلية لمذكرة التفاهم بسبب ما تضمنتها من إجراءات تتعلق برفع العقوبات، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة وتسهيل صادرات النفط والمنتجات البتروكيماوية، دون تقديم إيران تنازلات استراتيجية. وتخشى دوائر إسرائيلية من أن تؤدي هذه الخطوات إلى توفير موارد مالية ضخمة لإيران، بما يساعدها على إعادة بناء قدراتها العسكرية ومعالجة الأزمة الاقتصادية وتعزيز نفوذها الإقليمي بعد الحرب، وهو ما تعتبره إسرائيل نتيجة تتناقض مع أهداف الحرب الأخيرة.
5– الإضرار بجهود إسرائيل لتفكيك الجبهات والحفاظ على حرية الحركة في لبنان: برزت الساحة اللبنانية كأحد أهم أسباب الاعتراض الإسرائيلي على الاتفاق، خاصة مع إشارة مذكرة التفاهم إلى “وقف الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان”. وقد دفع ذلك مسؤولين إسرائيليين إلى أن يؤكدوا مراراً أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان، ولن تقبل بأي تفاهمات تحد من حرية عمل جيشها ضد ميليشيا “حزب الله”. وتعكس هذه المواقف مخاوف إسرائيلية متزايدة من أن يؤدي الاتفاق إلى منح إيران تأثيراً مباشراً على القرار العسكري الإسرائيلي في الساحة اللبنانية، فضلاً عن ترسيخه لما يُعرف بـمبدأ “وحدة الساحات” رغم الحرص الإسرائيلي المتواصل على تفكيك الجبهات.
ختاماً، في ضوء ما سبق، يمكن القول إن الغضب الإسرائيلي المتصاعد تجاه الاتفاق الأمريكي الإيراني لا يرتبط بمضمونه فقط، بل يعكس مخاوف أوسع تتعلق بمكانة إسرائيل الإقليمية ودورها في إدارة الملف الإيراني خلال المرحلة المقبلة؛ حيث ترى “تل أبيب” أن الاتفاق لا يحقق الأهداف التي سعت إليها خلال الحرب، كما أنه يمنح إيران مكاسب سياسية واقتصادية مهمة مع الإبقاء على عناصر قوتها الاستراتيجية. وبجانب ذلك، كشف مسار التفاوض عن تراجع قدرة إسرائيل على التأثير في القرارات الأمريكية الاستراتيجية، وهو ما قد يدفعها خلال الفترة المقبلة إلى تكثيف ضغوطها السياسية على واشنطن، والتمسك بعدم الانسحاب من لبنان بهدف فرض واقع جديد يؤدي تدريجياً إلى إفشال التوصل إلى ترتيبات دائمة تعيد رسم المشهد الإقليمي بما لا يتوافق مع مصالحها.
