إنجلترا، القرن الثاني عشر الميلادي
من الطريف أن كثيرًا مما نعدّه اليوم من مبتكرات العصر الحديث له جذور قديمة أبعد مما نتصور. ومن ذلك الوسائل التي استُخدمت لإثبات الديون وتداولها. ففي عهد الملك هنري الأول في إنجلترا استُعملت أداة عُرفت باسم «العصا المنقوشة». وكانت الفكرة بسيطة. يأخذ طرفا المعاملة غصنًا من الخشب، ويُنقش عليه مقدار الدَّين، ثم يُشق إلى نصفين. يحتفظ الدائن بأحد النصفين، ويحتفظ المدين بالنصف الآخر. وبما أن النصفين لا يتطابقان إلا معًا، كان من الصعب التلاعب بما كُتب عليهما.
واستُخدمت هذه العصي في تسجيل الضرائب المستحقة على الولاة وغيرهم. لكن أهميتها لم تقف عند هذا الحد. فخزانة الملك لم تكن تنتظر دائمًا موعد السداد، بل كانت تبيع هذه العصي لمن يرغب في شرائها مقابل مبلغ أقل من قيمتها الاسمية. وهكذا أصبحت تمثل حقًا ماليًا على الدولة يمكن تداوله بين الناس. كذلك كان الملك يمنحها أحيانًا للجنود أو المزارعين أو غيرهم ممن لهم مستحقات لدى الحكومة، فيبيعها هؤلاء بدورهم مقابل النقود التي يحتاجون إليها. وبهذه الطريقة أخذت هذه العصي تؤدي بعض الوظائف التي تؤديها النقود.
وهنا نواجه مفارقة تستحق التأمل. فهذه الأوراق أو السندات لا تستطيع أن تقوم مقام النقود إلا إذا ظل الدَّين قائمًا. فإذا سُدد الدَّين واختفى الالتزام الذي تمثله، فقدت قيمتها. ولهذا فإن النقود المبنية على الديون تعتمد، في جانب منها، على استمرار هذه الديون لا على انتهائها.
وهذا هو المبدأ نفسه الذي قام عليه بنك إنجلترا، الذي يُعد أول بنك مركزي بالمعنى الحديث. ففي سنة 1694 كانت الحكومة الإنجليزية تعاني أزمة مالية شديدة. فتقدم عدد من المصرفيين وأقرضوا الملك وليام الثالث مبلغًا ضخمًا بلغ 1.2 مليون جنيه إسترليني. وفي المقابل حصلوا على امتياز إصدار الأوراق النقدية.
ومعنى ذلك أن هؤلاء المصرفيين أصبحوا يصدرون أوراقًا تمثل جزءًا من الدَّين المستحق على الملك، ويتداولها الناس فيما بينهم باعتبارها مالًا يمكن استخدامه في المعاملات المختلفة. وهكذا تحوّل الدَّين الحكومي إلى نقود متداولة.
وكانت الصفقة شديدة الربحية بالنسبة إلى المصرفيين. فقد كانوا يحصلون من الحكومة على فائدة سنوية مقدارها 8% على القرض الأصلي، وفي الوقت نفسه يحققون أرباحًا من خلال إقراض الأموال الناتجة عن هذا الدَّين للآخرين. لكن هذا النظام كان يعتمد على شرط أساسي، وهو أن يبقى القرض الأول قائمًا. ولذلك لم يُسدد ذلك الدَّين بالكامل، ولم يكن من السهل أصلًا أن يُسدد؛ لأن وجوده أصبح جزءًا من الأساس الذي يقوم عليه النظام النقدي نفسه.
نقودُ الله
إذا انتقلنا إلى عصرنا الحديث وجدنا أن سداد الديون لم يعد يُنظر إليه باعتباره مجرد التزام مالي، بل أصبح في كثير من الأحيان معيارًا أخلاقيًا يُحكم به على الناس. وربما كان السبب في ذلك أن عددًا كبيرًا من الأفراد يعجزون عن الوفاء بما عليهم من ديون، فيصبح الوفاء أو العجز عنه مقياسًا للانضباط والاستقامة في نظر المجتمع.
ومن الملاحظ أن الشركات الكبرى لا تتعامل مع الديون بالطريقة نفسها التي يُطلب من الأفراد أن يتعاملوا بها. فكثير من هذه الشركات لا يسارع إلى السداد بمجرد حلول الأجل، بل يفاوض ويؤجل ويختبر حدود القانون، ولا يدفع إلا إذا اضطر إلى ذلك. ومع ذلك ظل الخطاب العام يتحدث عن الدَّين وكأنه واجب أخلاقي مطلق.
ومع تراجع فكرة الشرف الشخصي في المعاملات التجارية، اكتسبت قضية الديون طابعًا يكاد يكون دينيًا. وأصبح المرء أحيانًا كأنه أمام عقيدتين مختلفتين: عقيدة يتبناها الدائنون، وأخرى يعيشها المدينون.
ومن اللافت للنظر أن مرحلة التوسع الكبير في الديون الأمريكية تزامنت مع صعود التيار الإنجيلي المحافظ في الولايات المتحدة. وقد تبنى عدد من رموزه أفكارًا اقتصادية تختلف عن كثير مما عرفته المسيحية التقليدية عبر قرون طويلة. فبدل النظر بريبة إلى الثروة والربا، جرى تقديم تراكم الثروة وخلق النقود بوصفهما أمرين منسجمين مع الإرادة الإلهية.
ومن أبرز من دافعوا عن هذه الأفكار الكاتب جورج جيلدر، الذي حقق كتابه «الثروة والفقر» شهرة واسعة في بداية عهد الرئيس ريغان. وقد ذهب جيلدر إلى أن قدرة الإنسان على خلق الثروة والنقود ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي انعكاس للقدرة الإبداعية التي أودعها الله في الإنسان. ومن ثم رأى أن خلق النقود ليس أمرًا يدعو إلى القلق، بل هو مصدر ازدهار وبركة.
وكان جيلدر يرفض النظر إلى النقود بوصفها شيئًا ماديًا محدودًا، ويرى أن قيمتها تقوم أساسًا على الثقة والإيمان بالمستقبل. ولذلك اعتبر أن الثروة لا تنبع فقط من الموارد الطبيعية أو رأس المال المادي، بل من الخيال البشري والقدرة على الابتكار. ومن هنا وجد بعض الوعاظ الدينيين في هذه الأفكار ما ينسجم مع رؤيتهم الدينية، حتى إن بعضهم وصف اقتصاديات جانب العرض بأنها أول نظرية ذات أساس ديني حقيقي في خلق النقود.
غير أن هذا التصور أغفل جانبًا مهمًا من الواقع. فالكثير من النقود التي جرى «خلقها» خلال تلك الفترة لم يكن نتيجة عبقرية اقتصادية مجردة، بل نتيجة توسع ضخم في الاقتراض الحكومي والإنفاق بالعجز، خاصة في المجال العسكري. وقد بدأ هذا التوجه بقوة في عهد ريغان، ث
يتبع
قراءات كانوية
