الرجل الذى ظن أنه العاشق الوحيد لمصر – 16 – عندما دخل التلفزيون مصر عام 1960 – رواية لمجدى حسين

مرحلة الصبا

لا يدرى فهمى الفارق الدقيق بين الطفولة والصبا ولكنه يظن انه انتقل إلى مرحلة تالية بعلامتين أساسيتين : ظهور التلفزيون ودخول المدرسة الاعدادية.

كانت علامة فارقة فى حياة فهمي وحياة المصريين جميعا، ظهور اختراع التلفزيون (1960) فكان ثورة حقيقية في الحياة، ولم يكن بث التلفزيون يصل الى كل أنحاء البلاد، اقتصر على القاهرة وما حولها ولكنه غطى البلاد خلال أقل من سنة. كما ان الارسال كان ٣ ساعات ثم 5 ساعات من 5 إلى 10 مساء وظل يتمدد بالتدريج حتى أصبح يشغل معظم اليوم ولكنه ظل مغلقا بين 12 مساء حتى 8 أو 9 صباحاً حتى أصبح ٢٤ ساعة كاملة .

كانت اسرة أحمد من أوائل الأسر التي أدخلت التلفزيون في البيت فما كان أحمد الذي يتابع العالم عبر المذياع ليتأخر عن هذا التطور، رغم انه لن يشبع نهمه حول الأخبار الاقليمية والعالمية فى البداية.

وكان فهمى مستعداً ليبقى ٥ ساعات كاملة أمام التلفزيون ولكن كان لا بد من مراعاة أوقات المذاكرة والواجبات فبدأ يختار برامج الأطفال وبعض المنوعات أما الخميس فالسهرة قد تكون مسرحية كاملة أما مباراة كرة القدم الساعة الثالثة يوم الجمعة فهي مقدسة خاصة اذا كانت للنادي الأهلي.

من الطرائف أن مصر سبقت اسرائيل في ادخال التلفزيون وكان البث بالأبيض والأسود، ثم سبقتها أيضاً في بث التلفزيون الملون، ولكن اسرائيل كانت مشغولة في ذلك الوقت بإنتاج القنابل الذرية سراً بالتعاون مع فرنسا، ولكن مفاعل ديمونة النووي في صحراء النقب كان معروفا وعلنياً.

نظام ٢٣ يوليو كان راغباً في هذا الجهاز الجهنمي، ورأى عبد الناصر انه وسيلته الفضلي لمخاطبة وتوجيه الجماهير، بعد أن أجاد استخدام الراديو، وكانت به برامج ناجحة عديدة مثل برنامج على الناصية لأمال فهمي ظهر يوم الجمعة و كانت مذيعة جيدة وذكية واستخدمت البرنامج لطرح مسائل عديدة ومتنوعة من خلال المقابلات مع مواطنين تبدو وكأنها تمت بالمصادفة على الناصية .

كان المصريون جميعا يتابعون هذا البرنامج وقد نجح لأنه لم يكن يبالغ فى المديح للنظام ولم يكن يغلب عليه الوجه السياسي، بل كان يناقش مشكلات الناس وهمومهم، مشكلات المجتمع، اكتشاف مواهب أو مخترعين جدد..الخ.

واستمر البرنامج عشرات السنين حتى ان فهمى كان يستمع اليه وهو فى سجن المرج عام ٢٠١٠ .

والحقيقة ان برامج التلفزيون لم تكن مبتذلة في الدفاع عن النظام وتكتفى بنشرات الأخبار (قراءة صلاح زكي) وبعض التعليقات ولكنه طبعاً كان يذيع خطب جمال عبدالناصر على الهواء، ولعب الفن دوراً كبير فى الترويج النظام والدفاع عن أهدافه من خلال الأغاني الوطنية لعبدالحليم – أم كلثوم – عبد الوهاب، وكل المطربين المشاهير وقد بدأ التلفزيون يخرج بعض هذه الأغنيات بطريقة الفيديو كليب مثل أغنية عبد الحليم (قلنا حنبني وادي احنا بنينا السد العالي).

كانت هذه هي القوة الضاربة للنظام عبدالحليم- كلمات صلاح جاهين- ألحان كمال الطويل أو عبد الوهاب- كذلك أغنيات أم كلثوم وعبد الوهاب وكانت تأخذ مساحة كبيرة من برامج التليفزيون . وكان جيل فهمى يحفظ هذه الأغنيات عن ظهر قلب ويحبها، بل لا يزال فهمي وهو يكاد يطوى سنوات الستينيات من عمره، يبكى عندما يسمع هذه الأغنيات وهو منفرد بنفسه خاصة في الزنازين التي أصبحت مسكنه الموازي، بل تكاد تتحول إلى مسكنه الأول، يبكى لأنه يتذكر مرور أكثر من نصف قرن من عمره، يبكي لأنه يذكر سنوات العزة والانتصار والاستقلال رغم انها تهاوت جميعا فى هزيمة ١٩٦٧، ورغم أنه ليس ناصرياً ولم يكن أبدأ ناصرياً، ولكنه استقر على رؤية متوازنة لفترة عبدالناصر . يبكي أساساً على مصر فحالها من حاله، أو حاله من حالها، مصر تتراجع في القرن الواحد والعشرين وكأنها تسعى للوصول إلى نقطة الصفر أو ما هو أدنى من الصفر، في بعض المؤشرات الاحصائية العالمية جاءت مصر في المركز الأخير بالمعنى الحرفي في مؤشر جودة التعليم مثلا. ويرى فهمى بدون ندم على اختياراته أنه أيضا لم يحقق شيئاً كان يطمح له من أجل مصر . هو يزعم دائماً مع نفسه ولديه على ذلك ألف دليل ودليل أنه لم يسع الى مجد شخصي أبداً وأنه كان مستعدا دوماً للتضحية بحياته من أجل تحرير شبر من الأراضي المحتلة، أو دفاعاً عن مظلوم واحد من أبناء مصر، أو دفاعاَ عن فلسطين أو العراق أو أي بلد عربي أو مسلم، وعرض نفسه فعلا مرارا للموت ولكن عمره لامس السبعين وهو لا يزال حيا يرزق لأن الأعمار بيد الله، ورغم كل ما يعانيه من متاعب صحية متنوعة.

عندما يستمع لهذه الأغنيات الوطنية التي صدرت بين ١٩٥٤ – ١٩٦٧ يبكى أحياناً بالدمع الهتون وليس بمجرد دمعات متفرقة، و ينهنه بصوت مرتفع بدون حرج فلن يسمعه أحد غالباً، وهو في زنزانة انفرادية، يبكى من أجل مصر لا من أجل نفسه لأنه لم يسع أبداً ليصل إلى السلطة أو ليحقق مجداً شخصياً بل هو ضميره مرتاح انه فعل كل ما يمكن ومالا يمكن أن يفعل – بضم الياء – من أجل مصر.

وهو يبكي بنفس الأسلوب وهذا هو الغالب عند قراءة القرآن (لانه لا يسمع الاغاني الا لماما) أو اثناء الصلاة عندما يصلي وحيداً في زنزانته . إن هذه من أهم فوائد السجن في حياته،، هذه المعية مع الله.. فكان دوما يطلب من ادارة السجن زنزانة منفردة، وعندما يدخلها وتغلق عليه يبكي فرحاً من هذه الحياة المنفردة مع الله.

وهو يخشى أن يقول – تأدباً مع الله – إنه يحب الله حباً جماً، ولكنه يتذكر أن القرآن يقر بذلك (والذين آمنوا أشد حباً لله).

اختلف في الكبر مع العديد من الصياغات والمبالغات والاخطاء العقائدية فى الأغانى الوطنية ، ولكنها أغنيات تذكره بلحظة كانت فيها الأمة قوية أو أقوى مما هي عليه الآن، كان للمجتمع رسالة ونحن الآن بلا أى رسالة، وهو لا يتوقف بصورة دقيقةعند كل المعاني والكلمات.

ولكنه لا يجب قول صلاح جاهين (تماثيل رخام على الترعة وأوبرا في كل قرية عربية) وعندما يتحدث عن الآذان ينتهي الى انه آذان عيد الثورة!

وعندما يقول كامل الشناوي (قدر أحمق الخطى سحقت هامتي خطاه). وجاء هذا فى أغنية عاطفية لعبد الحليم حافظ

أما في الستينيات فكان فهمي سعيداً بهذه الاغنيات دون ان يتعمق كثيراً في هذه المسائل .

ولكنه بدأ يفهم أبعاد العدوان الثلاثي 1956 و يعرف قصة السد العالي واستصلاح الأراضى وبناء المصانع ، كل ذلك من خلال التلفزيون بل من خلال الأغانى التى كانت تقوم بدور تثقيف الشعب حتى لقد غطت الأغانى المصورة مسألة حركة عدم الانحياز مع لقطات لعبد الناصر مع تيتو رئيس يوغسلافيا و نهرو رئيس وزراء الهند كما ظهر مع أغنيةأم كلثوم بالسلام احنا نادينا بالسلام) .

فى سنوات لاحقة عندما كان فهمى فى الثانوية قرأ مقالا عجيباً لمحمد حسنين مشكل في الأهرام يقول فيه إن الدنيا تطورت ففي الماضي كان الزعماء مثل لينين قائد الثورة الروسية يحتاج لتأسيس حزب سياسى حتى يتواصل مع الجماهير ويرسل صوته إليهم . أما الآن ففى عهد التلفزيون لا يحتاج عبد الناصرلأى حزب فهو لديه التلفزيون يمكن أن يتواصل

مباشرة مع الشعب كله بدون واسطة .وهذا مفهوم سلطوى بالغ الخطر ، فالحزب السياسى ليس مجرد قناة اتصال بين الزعيم والشعب ، بل هيئة لتكوين الأفكار والمشروعات ومركز للقيادة الجماعية حتى وإن كان ذلك بقيادة الزعيم . وهذا المفهوم هو الذى جعل الاتحاد الاشتراكى الحزب الحاكم الوحيد مجرد جثة هامدة ، وأداة جانبية مساعدة لإيصال صوت الزعيم الذى يملك أساسا التلفزيون !!

ولم يكتشف عبد الناصر خطورة هذا الكلام إلا بعد نكبة 1967 ، وكان ذلك بعد فوات الأوان سواء فى عمر النظام أو فى عمر عبد الناصر نفسه .

CO

اترك رد

اكتشاف المزيد من مجدى أحمد حسين

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة