لم يكن فوز عبد الرحمن السيد بالترشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان مجرد تبدّل في أسماء المرشحين، بل بدا أقرب إلى اختبار سياسي حقيقي لمدى قدرة الخطاب المؤيد للحقوق الفلسطينية على اختراق المؤسسة السياسية الأميركية.
وتمكن السيد، وهو طبيب وناشط تقدمي، من تجاوز النائبة هايلي ستيفنز في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، في مواجهة اتخذت من الحرب على غزة والسياسة الأميركية تجاه “إسرائيل” أحد أبرز محاورها. وجاء انتصاره رغم الإنفاق الكبير من جهات مؤيدة لستيفنز، في مقدمتها جماعات داعمة للتحالف الأميركي-الإسرائيلي.
وتحمل النتيجة وزنًا يتجاوز مجرد فوز مرشح تقدمي على منافسة ديمقراطية معتدلة؛ إذ جاءت في ولاية شكّلت خلال الانتخابات السابقة واحدة من أبرز ساحات الاحتجاج الديمقراطي على سياسة واشنطن تجاه غزة، ولا سيما مع تنامي حضور الناخبين العرب والمسلمين والشباب والتيار التقدمي.
ولسنوات طويلة، ظل دعم “إسرائيل” أحد الملفات التي تحظى بدرجة واسعة من الإجماع داخل المؤسسة السياسية الأميركية، مع وجود اختلافات محدودة حول تفاصيل السياسة، لا حول جوهر العلاقة.
لكن الحرب على غزة غيّرت هذه المعادلة. فالقضية الفلسطينية لم تعد محصورة في الجامعات أو الاحتجاجات أو أوساط الناشطين، وإنما دخلت إلى الحملات الانتخابية نفسها. ويقدم فوز السيد مثالًا على انتقال القضية من الشارع إلى صناديق الاقتراع، ومن الاحتجاج السياسي إلى المنافسة على مقعد في مجلس الشيوخ.
وتشير تقارير عن السباق إلى أن النتيجة مثّلت ضربة للجهات المؤيدة لإسرائيل، التي أنفقت مبالغ كبيرة في محاولة لدعم ستيفنز ومنع فوز منافسها، في حين استطاع السيد بناء حملة اعتمدت بدرجة كبيرة على القاعدة الشعبية والتيار التقدمي.
وقال المحلل السياسي خالد الترعاني إن صعود عبد الرحمن السيد في سباق مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان يعكس بوضوح أكبر من أي حملة أخرى حجم التغير في المزاج العام الأميركي، معتبرًا أن حملة السيد تمثل “انقلابًا كبيرًا وغير مسبوق” في هذا السياق.
وأضاف الترعاني، في حديثه لـ”قدس برس”، أن أسباب هذا التحول واضحة، وترتبط بما وصفه بحالة من الغضب والانزياح في الولايات المتحدة ضد الاحتلال الإسرائيلي، على خلفية الممارسات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.
وأوضح أن المواطن الأميركي رأى ما لم يره من قبل، مشيرًا إلى أن صورة “إسرائيل” التي جرى تسويقها لعقود باعتبارها “واحة للديمقراطية” ودولة تمثل نموذجًا استثنائيًا في التاريخ الحديث، بدأت تتعرض لتغيير كبير في الوعي العام الأميركي.
وأشار إلى أن هذا التحول يعكس، بحسب تقديره، إدراكًا متزايدًا لدى الأميركيين بأن الصورة التي قُدمت لهم عن إسرائيل لم تعد مقنعة، وأنهم باتوا يرون ما وصفه بممارسات ترقى إلى جرائم حرب وانتهاكات للقانون الدولي.
وأوضح الترعاني أن المواطن الأميركي بدأ يدرك، إلى جانب ذلك، أن الولايات المتحدة تستخدم أموال دافعي الضرائب في دعم إسرائيل، بما في ذلك ما يرتبط بالعمليات العسكرية التي أثارت انتقادات واسعة بسبب تداعياتها على المدنيين الفلسطينيين.
وبيّن أن حالة الانزياح في الرأي العام بدأت تترجم على أرض الواقع السياسي الأميركي من خلال انتخاب أشخاص لم تكن لديهم، قبل الحرب على غزة، فرص كبيرة في الوصول إلى المناصب المنتخبة.
وأضاف أن انتقاد “إسرائيل” أو اللوبي المؤيد لها كان، في السابق، قد يكلّف السياسي الأميركي فرصه الانتخابية حتى على المستوى المحلي، لكن تغير المزاج العام جعل من الممكن، بحسب رأيه، انتقاد السياسات الإسرائيلية والجماعات المؤيدة لها دون أن يكون الثمن الانتخابي حتميًا كما كان في السابق.
من جانبه، قال المؤسس والرئيس التنفيذي لمركز “ريكونسنس” للبحوث والدراسات (مستقل مقره الكويت) عبد العزيز العنجري إن “إسرائيل” لم تعد قادرة على التحكم في الرواية المتعلقة بالصراع بالطريقة نفسها التي اتبعتها لعقود.
وأضاف، في حديثه أن المواطن الأميركي، وخصوصًا الشاب، لم يعد يتلقى صورة الحرب عبر المؤسسات الإعلامية والسياسية التقليدية فقط، بل بات يشاهد آثارها مباشرة على هاتفه، ويكوّن موقفه بعيدًا عن الوسطاء الذين كانوا يحددون له سابقًا ما الذي يراه وكيف يفسره.
وأشار العنجري إلى أن فقدان القدرة على احتكار الفضاء الرقمي، إلى جانب اللجوء إلى الحظر عندما تتحول المنصات الجديدة إلى مساحة يصعب التحكم في مضمونها أو توجيهه، أسهما في كشف الفجوة بين القيم التي تعلن إسرائيل الدفاع عنها وبين ممارساتها، بحسب تقديره.
وأكد أن فوز عبد الرحمن السيد بالترشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان لا يعني أن كل من يدعم فلسطين سيفوز، أو أن كل من يؤيد “إسرائيل” سيخسر، مشددًا على أن الانتخابات الأميركية أكثر تعقيدًا من أن تُفسَّر من خلال ملف واحد.
وأوضح أن السيد خاض حملته أيضًا على قضايا داخلية، من بينها الرعاية الصحية والضرائب ونفوذ الشركات والمال السياسي، وهو ما يجعل من الصعب اختزال النتيجة في الموقف من إسرائيل والحرب على غزة وحدهما.
مع ذلك، رأى العنجري أن النتيجة تحمل دلالة سياسية لا ينبغي التقليل منها، إذ تمكن مرشح ينتقد السياسات الإسرائيلية ويرفض الدعم العسكري الأميركي غير المشروط لها من هزيمة منافسة مدعومة من المؤسسة الحزبية، رغم إنفاق عشرات الملايين من الدولارات من جهات مؤيدة لإسرائيل في محاولة لمنع فوزه.
وشدد على أن التحول الحقيقي يكمن في تغير طبيعة المخاطر الانتخابية بالنسبة إلى السياسي الأميركي؛ فبعدما كان يخشى أن يخسر بسبب انتقاد إسرائيل، بدأ بعض السياسيين اليوم يخشون أن يخسروا إذا ظهروا وكأنهم يؤيدون كل ما تقوم به إسرائيل من دون مساءلة.
ويرى العنجري أن هذه النتيجة لا تعني نهاية النفوذ الإسرائيلي في واشنطن، ولا أن التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل سيتفكك قريبًا. لكنها، في المقابل، تشير إلى أن البيئة السياسية الأميركية لم تعد هي نفسها التي كانت تجعل دعم “إسرائيل” موقفًا مضمون الربح، من دون أن يترتب عليه ثمن انتخابي.
