لا نوافق بالضرورة على كل ما ورد فى هذا التقرير .. ولكن السودان يحتاج للحديث عنه ونشر أكبر قدر ممكن من المعلومات عنه
بعد أكثر من عام ونصف قضته في القاهرة، عادت أم محمد إلى منزلها في الخرطوم، لكنها، شأنها شأن مئات الآلاف ممن استجابوا إلى دعوة الحكومة السودانية للعودة منذ مارس الماضي، لم تجد سوى أنقاض، المياه تنقطع باستمرار، والكهرباء كذلك، بينما لا تزال الأوبئة تحصد أرواح العشرات أسبوعيًا.
لم يتبقَّ لأم محمد سوى حطام منزلها بعد أن فقدت كل شيء في رحلة النزوح التي بدأتها من حي الأزهري، في منطقة «جنوب الحزام» المهمّشة، حيث كانت تعيش على معونات خيرية من البليلة تسد بها جوع أطفالها، إلى أن أصيب أحدهم بالملاريا، وتقطعت بها السبل حتى لم يبق أمامها خيار سوى الرحيل. فرت أولًا من الخرطوم إلى ولاية نهر النيل، ومن هناك عبرت إلى مصر عبر طرق التهريب، بعد أن باعت كل ما تملك، وجمعت لها عائلتها ما تستطيع لتوفير مئات الآلاف من الجنيهات للفرار من الحرب والجوع والمرض.
في القاهرة، كان العمل متقطعًا، والخوف من الاحتجاز والترحيل في ظروف غير إنسانية يخيم على المهاجرين مثلها. لم يكن هناك ما يكفي لإطعام أطفالها. «لم أعد أتحمل الغربة»، تقول أم محمد لـ«مدى مصر». وعندما سمعت في مايو الماضي أن حيها بالسودان أصبح آمنًا نسبيًا، ومع اشتداد ضيق المعيشة في القاهرة، وجدت نفسها مرة أخرى بلا خيار سوى العودة.
لكن العودة لم تحمل إليها سوى نفس الدوامة. الآن، بعد عودتها إلى «الأزهري»، تقول: «نعيش على مساعدات قليلة».
أم محمد هي واحدة من عائدين كُثر في إطار ما تحتفي به الحكومتان السودانية والمصرية تحت مسمى «العودة الطوعية» إلى الخرطوم، وهي حملة أُطلقت عقب سيطرة الجيش على المدينة في مارس الماضي، ولا تزال مستمرة. في البداية، رسمت سلسلة من التصريحات الرسمية في السودان صورةً لمدينة مستعدة لاستقبال أهلها، ثم تبنّت نبرةً أكثر حزمًا حوّلت الخيار الطوعي إلى مهلة نهائية، ورغم ذلك، بالكاد تجاوز عدد العائدين حتى الآن مليون شخص من أصل خمسة ملايين نزحوا من الخرطوم. أما على الجانب الآخر من الحدود الشمالية، فشدّدت السلطات المصرية إجراءاتها الصارمة تجاه الجاليات السودانية، بينما نسقت مع الخرطوم لإعادة النازحين.
وفي خضم ذلك، تشكّل نمط في مسار العملية، يقوم على التنافس على طبقة وسطى سودانية أفسحت مصر لرأس مالها المجال مرحبةَ، في الوقت الذي رحّلت فيه المهاجرين الأكثر فقرًا. في المقابل، سعت الخرطوم إلى استعادة هذه الطبقة بوصفها شريكًا في إعادة الإعمار والحكم، تاركةً من طردتهم مصر ليعودوا مرة أخرى إلى هوامش نظام حكم يعاد رسم خريطته في العاصمة، نظام تقول عنه المصادر إنه يكرر نموذج ديكتاتورية ما قبل الثورة.
منذ مارس الماضي، تحدث «مدى مصر» إلى مصادر معنية بملف العودة الكبرى -من الأشخاص أنفسهم الذين يتعاملون مع القرار إلى مسؤولين سودانيين وناشطين في المجتمع المدني مشاركين في الحملة- لفهم ما هو على المحك في محاولة إعادة شعب إلى بلد لا تزال رحى الحرب تدور فيه.
مع اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، برزت مصر سريعًا كوجهة أولى للنزوح، لا سيما بين أبناء الطبقة الوسطى الحضرية، المنقطعين عن امتداداتهم الريفية ويملكون مدخرات وأصولًا لتغطية تكاليف الرحلة والإقامة في المدن المصرية. كما كانت مصر خيارًا طبيعيًا لمن لديهم روابط سابقة بها، سواء عبر التجارة أو الدراسة أو لوجود أفراد عائلة في مصر.
في تلك الأسابيع الأولى، تبنت السلطات المصرية سياسة حدودية مرنة، ما سمح للسودانيين بالعبور حتى بجوازات سفر منتهية الصلاحية أو بوثائق سفر مؤقتة.
دخلت رحمة* إلى مصر في 21 مايو 2023، بجواز سفر انتهت صلاحيته في اليوم نفسه، كان اسم ابنها البالغ ست سنوات مدرجًا فيه، بينما أُضيف اسم طفلها الأصغر بخط اليد مع صورته.
لكن سياسة الباب المفتوح تغيرت فجأة، فمع امتداد القتال إلى أطراف الخرطوم وانتشاره في أنحاء السودان في أواخر مايو وأوائل يونيو 2023، تصاعدت وتيرة النزوح عبر الحدود، خاصة من الفئات التي تراها السلطات المصرية أقل قدرة على المساهمة اقتصاديًا. وهنا بدأت القيود.
تقدم بابكر* بطلب تأشيرة في القنصلية المصرية ببورتسودان أواخر مايو 2023 -بعد أيام قليلة من دخول رحمة- ولكن بعد انتظار تجاوز الأسبوعين، لم يحصل على الموافقة.
في الأيام القليلة بين دخول رحمة وتقديم بابكر، أوقفت السلطات المصرية العمل بوثائق السفر المؤقتة عند المعابر الحدودية، وبعد أيام أنهت إصدار تمديدات جوازات السفر المنتهية، وتوقفت إضافة الأطفال إلى جوازات والديهم. كانت رحمة على بُعد أيام فقط من منع دخولها.
قرار سلطات المعابر المصرية، الذي اطلع «مدى مصر» على نسخة منه، يلغي استثناء الأطفال والنساء وكبار السن من الحصول على تأشيرة مسبقة، ضمن التزام مصر بمبدأ الحق في التنقل، كأحد مبادئ اتفاقية الحريات الأربعة، الموقع عليها مع السودان عام 2004.
ورغم تشديد الإجراءات، واصل عدد السودانيين العابرين ارتفاعه، حيث دخل أكثر من 40 ألف سوداني إلى مصر خلال تلك الأيام القليلة. الانتظار الطويل لاستخراج التأشيرة، التي فُرضت بحلول ذلك الوقت على جميع الأعمار بعدما كانت مقتصرة على الرجال بين 16 و49 عامًا، دفع الكثيرين إلى اللجوء لطرق التهريب المحفوفة بالمخاطر عبر الصحراء، وانتهى بهم الأمر في مصر بلا حماية قانونية.
وبينما كان الكثيرون في السودان يوازنون بين البقاء أو الرحيل، جاءت لحظة الانهيار مع سقوط عاصمة ولاية الجزيرة، مدينة ود مدني، في أيدي قوات الدعم السريع في ديسمبر 2023. كانت المدينة بمثابة آخر ملاذ آمن بعد سقوط الخرطوم، إذ استضافت الخدمات الطبية ونقلت إليها المكاتب الحكومية. إلا أن سقوطها، بالتزامن مع ارتفاع الإيجارات، والتهديدات الأمنية المستمرة، وانهيار الخدمات العامة، دفع عشرات الآلاف من النازحين إلى مغادرة البلاد كليةً.
لكن مع استغراق التأشيرات أسابيع من جهة، وارتفاع أجرة الحافلات إلى الحدود إلى مئات الدولارات، وسط مخاطر عبورها من مناطق القتال أو حواجز «الدعم السريع»، ظلت طرق التهريب مخرجًا من المأزق، وإن كان مكلفًا بنفس القدر.
حافلة تقل الفارين من الخرطوم متعطلة في الصحراء بين منطقة كريمة ودنقلا، يونيو 2023. المصور: مظفر رمضان
ومع ذلك، فإن العبور إلى مصر جلب معه انتظارًا طويلًا آخر لطالبي اللجوء، فقد تستغرق طلبات الحصول على وضع لاجئ عبر مكاتب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر أشهر قبل إصدار أي وثائق، ما يترك طالبي اللجوء عرضة للاحتجاز أو الترحيل مع كل نقطة تفتيش.
تقول أم الحسن، المقيمة في مدينة وادي كركر بمحافظة أسوان: «من يوم ما مرقت لمصر قدمت على كارت المفوضية. ولازم عشان أستلم الكارت أمشي القاهرة، لأن ما في مكتب للمفوضية هنا في أسوان، وخايفة من الكماين في الطريق يقبضوني، غير قروش السفر للقاهرة». وحتى السفر إلى مدينة أسوان محفوف بالمخاطر، فأم حسن مريضة بالسكري، وإحدى بناتها تعاني من مرض بالقلب، وأخرى من أزمة صدرية. «لازم أروح مستشفى الجرمانية في أسوان. لكن لازم عشان أنزل من كركر أعدي على كمين. بانزل وأنا خايفة».
ورغم ذلك، لا يزال معظم السودانيين المقيمين في مصر خارج سجلات مفوضية اللاجئين. ويتعمد كثيرون ممن لا يملكون القدرة على تقنين أوضاعهم التواري عن أعين السلطات الرسمية، وبالتالي يبقون كذلك خارج نطاق منظمات المجتمع المدني ووكالات خدمات اللاجئين، ما يتركهم عمليًا دون نفاذ يُذكر إلى الحقوق والخدمات الأساسية.
أما الذين حاولوا تسوية أوضاعهم رسميًا، فقد ضاقت بهم السبل سريعًا. ففي ظل تصاعد الخطاب العدائي في الشارع المصري، والخطاب التحذيري الذي تبناه المسؤولون، حددت الحكومة في منتصف 2024 موعدًا نهائيًا للمهاجرين لتقنين إقامتهم، مقابل رسوم بلغت ألف دولار للشخص الواحد، ما أدى فعليًا إلى حرمانهم من الوضع القانوني بسبب عجزهم المالي.
طالبو لجوء سودانيون مصطفّون أمام مقر مفوضية الأمم المتحدة للاجئين في مدينة 6 أكتوبر. يونيو 2024. المصور: أحمد بكر
وبنهاية العام نفسه، أقرت مصر قانونًا جديدًا يُنشئ نظامًا وطنيًا للجوء يحل محل نظام المفوضية، دون استشارة الوكالة الدولية أو منظمات المجتمع المدني، ودون وضع إطار انتقالي.
يُجرّم القانون الجديد الدخول غير النظامي، ويفرض عقوبات على من يقدم المساعدة للمهاجرين، كما يتضمن بنودًا فضفاضة حول «الأمن القومي» و«عدم احترام القيم الاجتماعية» تمنح السلطات صلاحيات تقديرية لاستبعاد أو إلغاء صفة اللجوء.
في المقابل، وبينما واصلت السلطات المصرية إضافة قيود تعرقل دخول السودانيين العاديين، وجدت الشركات السودانية ملاذًا في حزمة الحوافز المصرية لتشجيع الاستثمار الأجنبي، التي تشمل: تصاريح إقامة تصل إلى خمس سنوات لأصحاب الشركات، وتبسيط إجراءات التأسيس، وتفعيل نظام «الشباك الواحد»، وفقًا لما ذكره مصدر في غرفة تجارة بورتسودان لـ«مدى مصر»، وهو ما يتماشى مع توصيات منتدى رجال الأعمال السودانيين، الذي عُقد في يناير الماضي بالتعاون مع الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة المصرية وجهاز التمثيل التجاري التابع لوزارة الاستثمار والتجارة الخارجية. وقد أجازت وزارة الاستثمار توصيات المنتدى، التي تضمنت استعداد هيئة الاستثمار المصرية لتخصيص أرض لرجال أعمال سودانيين لإنشاء مجمع صناعي في مصر، بالإضافة إلى التنسيق مع البنك المركزي المصري لتقديم ضمانات مالية لتشجيع المستثمرين السودانيين على الدخول في شراكات استراتيجية.
وبينما أفسحت الدولة المصرية المجال أمام رأس المال السوداني بتصاريح إقامة وتسهيلات، واجه غالبية المهاجرين سياسات متشددة من عدم الشرعية والترحيل. ففي ديسمبر الماضي، قدر تقرير مشترك صادر عن «Global Detention Project» و«لجنة العدالة» عدد المرحلين خلال عام 2024 -حتى أكتوبر- بنحو 18 ألفًا و750 شخصًا، مقارنة بحوالي ستة آلاف في عام 2023، و124 فقط في عام 2022. ووفقًا لتقرير نشرته منظمة العفو الدولية في يونيو 2024، يُحتجز اللاجئون السودانيون المعتقلون في ظروف مهينة داخل أقسام الشرطة أو مرافق احتجاز غير مهيأة، دون إمكانية الوصول إلى محامٍ أو ممثلي المفوضية.
بالتوازي، شُنّت حملات أمنية عدة استهدفت الأحياء التي يتركز فيها السودانيون. يقول سيف الدين، وهو مواطن سوداني يقيم في حي فيصل بالجيزة منذ ست سنوات، إن المنطقة التي احتضنت مجتمعات سودانية لعقود، تحولت منذ اندلاع الحرب إلى «الخرطوم بالليل»، مع تزايد أعداد الوافدين، ما جعل الحي، بحسبه، هدفًا متكررًا للمداهمات والمضايقات الأمنية. «وفي كثير من الحالات، تنتهي الحملات بتسويات فورية يدفع فيها السودانيون مبالغ لأمناء الشرطة»، يقول سيف الدين.
أما من يعجز عن الدفع يواجه مصيرًا مختلفًا. يروي علي صالح لـ«مدى مصر» إلقاء القبض عليه في حي الطوابق بعد مطاردة استمرت نصف ساعة، تعرّض بعدها للضرب قبل أن يُقتاد إلى قسم الشرطة، ثم يُنقل إلى أسوان، ليُرحّل في النهاية إلى السودان.
وعادةً ما تتضمن إجراءات الترحيل احتجاز المعتقلين في مرافق مكتظة وتفتقر إلى التجهيزات، من بينها قاعدة أبو سمبل العسكرية بأسوان. تصف علياء المرضي تجربتها حين احتُجزت مع أسرتها، وبينهم ثلاثة أطفال، وخضعوا للاستجواب داخل كرفانات ومكاتب غير مهيأة في أبو سمبل، قبل أن يبلغها أحد الضباط أن عائلتها سترحل إلى السودان في اليوم التالي لمخالفتهم لوائح الدخول المصرية.
وخلال عامي الحرب، استقبلت السلطات السودانية أكثر من 100 ألف مواطن سوداني رحّلتهم مصر عبر الحدود في أسوان، بحسب ضابط شرطة سوداني تحدث إلى «مدى مصر» في يوليو الماضي.
مسؤول كبير في القنصلية السودانية بأسوان أكد لـ«مدى مصر» عدم وجود اتفاقيات ملزمة بين مصر والسودان بشأن الإعادة القسرية للمواطنين السودانيين، وأن السلطات المصرية تتصرف وفق أطرها القانونية الخاصة، بينما يندر تدخل الجانب السوداني، ويعود ذلك في جانب كبير منه إلى التكاليف المالية الباهظة لإدارة عمليات الترحيل أو منعها، على حد قوله.
***
لكن الأمور تغيرت في أعقاب استيلاء الجيش على مدينة الخرطوم في مارس الماضي، وهي إحدى المدن الثلاث -إلى جانب أم درمان وبحري- التي تشكل العاصمة. عقب ذلك أطلقت الحكومة السودانية دعوة لسكان الخرطوم الكبرى للعودة إلى منازلهم، وهي دعوة تكررت مرارًا على مدار الأشهر الماضية، إلا أن روايات كثير من العائدين أسهمت في تخوف السودانيين من العودة إلى مدينة بعيدة كل البعد عن استعدادها لاستقبالهم.
المتحدث باسم حكومة الولاية، الطيب سعد الدين، صرح لـ«الجزيرة» في أبريل الماضي، قائلًا: «مهما أوتيت الحكومة من قوة وإمكانيات، لا تستطيع أن تؤمن كامل أحياء ولاية الخرطوم -التي تمتد أفقيًا لمسافات طويلة- في ظل غياب المواطنين»، مضيفًا أن على السودانيين العودة والاطمئنان على منازلهم وتأمين أحيائهم.
وفي الوقت الذي سارعت فيه الحكومة السودانية بقيادة الجيش إلى إظهار صورة الحياة الطبيعية في العاصمة والتأكيد على عودته الرمزية إلى عرش السلطة رغم استمرار الحرب ضد «الدعم السريع» وطموحاتها السياسية، كررت مصر خطاب «الضيوف» التسعة ملايين في البلاد -وهو رقم مبالغ فيه بشكل كبير ومصطلح يُستخدم مرارًا وتكرارًا في خطاب يربط اللاجئين بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية في البلاد-، فيما انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي المصرية مقاطع مصورة لشوارع الخرطوم الخالية، تدعو السودانيين في مصر إلى العودة.
وفي أبريل الماضي، تلقت منظمات المجتمع المدني السودانية توجيهًا حكوميًا غير معلن مفاده ضرورة عودة السودانيين الذين غادروا البلاد منذ بداية الحرب قبل نهاية العام، وفقًا لما ذكره مصدر في إحدى هذه المنظمات عند معبر أرقين الحدودي لـ«مدى مصر». غير أن رئيس مفوضية العون الإنساني السودانية أبلغ تلك المنظمات أن مثل هذا المطلب من غير المرجح أن يتحقق بسهولة، نظرًا لانهيار الخدمات في السودان، وفقًا للمصدر ذاته.
في القاهرة، نشطت العديد من المبادرات المجتمعية السودانية في جهود العودة، ارتبط بعضها بشكل غير معلن بالسفارة السودانية، أو بشخصيات عامة ومسؤولين، أو برجال أعمال، وفقًا لمحمد بخيت، وهو متطوع شاب في إحدى منظمات المجتمع المدني بمنطقة الهرم، موضحًا لـ«مدى مصر» أن المعنيين لم يكن لديهم المال الكافي لتغطية التكلفة الباهظة لإعادة المهاجرين إلى وطنهم.
وعندما تواصل «مدى مصر» مع السفارة السودانية في بداية حملة العودة للاستفسار عن دورها في إعادة المهاجرين، رفضت التعليق. إلا أن هذا الدور خرج لاحقًا إلى العلن، وبدأت السفارة السودانية في القاهرة، بالتنسيق مع السلطات المصرية والمبادرات المدنية، في تسجيل المهاجرين رسميًا وإعادتهم إلى الخرطوم، وأطلقت الحكومتان مبادرات مشتركة لإعادة الآلاف.
الهيئة القومية لسكك حديد مصر، بالتعاون مع منظومة الصناعات الدفاعية السودانية، تطلق القطار الثامن في إطار حملة العودة الطوعية للسودانيين. أغسطس 2025. المصدر: بوابة دار المعارف الإخبارية
يقول أحمد معتصم، الذي عاد إلى الخرطوم في يونيو الماضي، عن حملة الحكومة السودانية: «عدنا إلى السودان عبر «العودة الطوعية». دعني أكون صريحًا معك، إنه الاسم المخفف للترحيل القسري».
أما حسن الباشا، فقد أمضى ما يقارب عامًا ونصف مختبئًا في القاهرة بعد أن دخل البلاد بشكل غير رسمي عقب سقوط ود مدني. وللعودة، عليه أن يُسوّي وضعه بعد التسجيل لدى السفارة السودانية. هذه العملية، رغم أن المسؤولين القنصليين يصفونها بأنها «روتينية وغير معقدة»، بحسب الباشا، لكنها في الواقع محفوفة بالتأخيرات، حيث يُترك المسجلون لفترات طويلة في أماكن بلا طعام ودرجات حرارة مرتفعة. ويقول الباشا إن عددًا من جيرانه في القاهرة ممن لا يحملون وثائق أعربوا عن تفضيلهم البقاء في مصر «على تحمل المعاناة مرة أخرى».
في الوقت نفسه، لم تتوقف الحملات الأمنية المصرية، فبعد بدء «العودة الطوعية»، تركزت عمليات الاعتقال والترحيل في القاهرة وأسوان -الوجهتان الرئيسيتان للوافدين- وفقًا لما ذكره أربعة سودانيون من أعضاء لجان تسجيل الحملة لـ«مدى مصر»، قدروا أن آلاف السودانيين ما زالوا يواجهون الاعتقال والمضايقة في المحافظتين.
وبينما احتفت وسائل الإعلام الموالية للدولة في كل من مصر والسودان بالعودة، ازدادت خيبة أمل السودانيين أنفسهم.
عند عودته إلى الخرطوم، فقد معتصم مصدر رزقه بعد أن وجد ورشته لتصليح الأجهزة الكهربائية منهوبة، يقول لـ«مدى مصر»: «اضطررنا إلى الاستدانة. لكن مع انهيار الجنيه، بات من الصعب العودة إلى السوق»، مضيفًا «نحاول في ظل الانهيار، الحكومة تحتفل فقط مع المواطن في عودته، لكنها لا تقدم أي مساعدات أو فرص تمويل».
ولا تزال السلطات السودانية عاجزة إلى حد كبير عن توفير الخدمات الأساسية في أنحاء الخرطوم المترامية، «الحكومة حاليًا لا تمتلك قدرة لعمليات إصلاح واسعة للولاية»، يقول مسؤول مكتب والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة لـ«مدى مصر»، واصفًا اعتماد السلطات الكبير على العائدين في توجيه وبدء عمليات إعادة البناء. «كلما عاد المواطنون إلى حي أو منطقة ما، بدأت عمليات إعادة الإعمار من تلقاء نفسها»، يقول المكتب.
شخص يحمل حطبًا بعد قطعه من مواقع إحدى المؤسسات المدنية بشارع النيل في الخرطوم. المبنى الخلفي يتبع لشركة «بيتروناس»، وهي شركة متخصصة في أعمال النفط. 2025. المصور: حسن كامل
بدأ بعض العائدين في إزالة الأنقاض من أحيائهم بأيديهم، وإعادة فتح متاجرهم، فيما أنشأ بعض الأطباء عيادات تطوعية، وعملت مجموعات من الشباب على إصلاح مولدات الكهرباء، وعاد آخرون إلى التطوع بعد رجوعهم، ليصطدموا بحجم الاحتياج الهائل. تقول سلمى*، وهي طبيبة، لـ«مدى مصر»: «عدتُ [في مايو الماضي] عندما سمعتُ بتفشي الكوليرا. أعمل الآن في عيادة متنقلة. أرى يوميًا أطفالًا يعانون من سوء التغذية وأمراضًا يمكن الوقاية منها».
غير أن ما يجده العائدون يختلف اختلافًا كبيرًا من منطقة إلى أخرى داخل العاصمة، فقد تركزت جهود إعادة التأهيل الحكومية بشكل كبير على وسط الخرطوم وأجزاء من بحري وأم درمان، وهي مناطق حضرية تضم أعدادًا كبيرة من موظفي الحكومة والقطاع الخاص، حرصت الدولة على ضمان عودتهم.
شخص يسير في شارع أُزيلت طبقته الأسفلتية في الخرطوم، وخلفه مبانٍ مدمرة. 2025. المصور: حسن كامل
أما خارج هذه المناطق، فبالكاد تُستشعر جهود الدولة، ففي محلية جبل أولياء، الواقعة على بُعد 40 كيلومترًا جنوب وسط الخرطوم، انهار النظام الصحي تقريبًا. أحياء كاملة دون كهرباء أو مياه نظيفة، ما يُجبر العائلات على شراء براميل مياه مستخرجة من الآبار أو من النيل الأبيض، في وقت لا تزال فيه الكوليرا تحصد الأرواح أسبوعيًا، وفقًا لمدير الصحة في المحلية. وفي محلية كلاكلة، ثاني أكبر محليات العاصمة، الواقعة على بُعد 20 كيلومترًا من وسط الخرطوم، أغلقت معظم مطابخ الجمعيات الخيرية التي يعتمد عليها السكان، تاركةً وراءها مساعداتٍ بالكاد تُغطي 10% من الاحتياجات، وفقًا لمدير الصحة.
حتى في قلب الخرطوم، شهدت بعض المناطق عودةً متقطعةً للكهرباء، بينما انقطعت تمامًا في مناطق أخرى. يقول مجاهد أزهري، أحد سكان جبرة جنوب الخرطوم، لـ«مدى مصر»: «انقطعت الكهرباء عنا لأكثر من عامين».
في ظل انتشار الملاريا وحمى الضنك، شخص يتصفح هاتفه الجوال داخل الناموسية خلال انقطاع الكهرباء في منطقة الحاج يوسف، الخرطوم، سبتمبر 2025. المصور: مظفر رمضان
تتحمل المنظمات الدولية والمجتمع المدني، القسط الأكبر من العمل الإنساني في العاصمة، وعلى رأسها غرف الطوارئ، وهي مجموعات إغاثة شعبية نشطت في مختلف أنحاء البلاد خلال عامي الحرب، لكن مع تدفق العائدين -الذين استقر الكثير منهم في مناطق نجت من أعنف المواجهات- انهارت الموارد المنهكة أصلًا تحت وطأة الضغط.
حتى المؤسسات الحكومية نفسها عجزت عن التعامل مع حجم الدمار، ما دفعها إلى نقل مقارها إلى مناطق أقل تضررًا من القتال.
***
على الجانب الآخر من الحدود الشمالية، يختار العديد من أفراد الطبقة الوسطى السودانية المقيمين في مصر ممن يتمتعون بوظائف مستقرة، وأطفالًا في مدارس خاصة، وقدرة على تحمل تكاليف السكن والمعيشة في المدن المصرية، عدم العودة، حتى مع حصول أحيائهم وأماكن عملهم في الخرطوم على النصيب الأكبر من إعادة التأهيل.
تقول صفية*، وهي أم لطفلين في المرحلة الإعدادية، إن العودة غير مطروحة بالنسبة لعائلتها، فأطفالها ملتحقون بمدارس دولية في القاهرة ويحصلون على الخدمات الأساسية، بينما يعمل زوجها في دبي ويرسل المال. «لا يوجد سبب للعودة، خاصةً في ظل انتشار المرض وانعدام الأمل في عودة الأسرة كاملة إلى السودان»، كما تقول.
يقول المصدر في غرفة تجارة بورتسودان إن أصحاب الأعمال أيضًا مترددون في نقل مشروعاتهم من مصر، خوفًا من خسارة أصولهم في هذه العملية. ومع ارتفاع سعر الصرف إلى قرابة أربعة آلاف جنيه سوداني للدولار في السوق السوداء، وارتفاع تكاليف الإنتاج، لا تتوقع الغرفة عودةً كبيرةً للشركات إلى الخرطوم، باستثناء تلك التي لم تتأثر مشروعاتها في غرب أم درمان. بل على العكس، يتوقع المصدر أن ينمو عددهم في مصر في ظلّ تبسيط الإجراءات والحوافز المُقدّمة.
لذا، بينما تُحافظ مصر بكل ترحيب على هذا القطاع لما يوفره من عملات أجنبية وفرص عمل، لا تستطيع الخرطوم أن تُقدّم لهم الكثير لجذبهم للعودة. لكن مع استئناف الحكومة بعض عملياتها من العاصمة، استُدعي موظفو القطاع العام للعودة إلى العمل في أبريل الماضي، منهين بذلك إجازة الحرب المفتوحة. وبينما عاد بعض الرجال بمفردهم، تاركين عائلاتهم خلفهم لتقييم الوضع في الخرطوم، وفقًا لمفتي عبد الله، وهو متطوع شاب يساعد في تسجيل العائدين، اضطرت النساء العاملات كموظفات حكوميات إلى العودة مع أطفالهن إلى بيئة محفوفة بالمخاطر. وحددت حكومة الولاية منتصف يونيو الماضي موعدًا نهائيًا لعودة جميع الموظفين، مُعتبرةً القرار استجابةً لمطالب إعادة الإعمار والحاجة إلى كوادر مؤهلة لإدارة مؤسسات الدولة.
بعد أيام، وُجه إنذار نهائي جديد للمهاجرين السودانيين، إذ أعلنت وزارة التعليم العالي السودانية أنها لن تعترف بعد الآن بالتسجيل أو الشهادات الصادرة عن فروع الجامعات السودانية في الخارج، مطالبةً جميع مؤسسات التعليم العالي بالعودة إلى السودان دون استثناء.
فرض القرار ضغوطًا هائلة على العديد من العائلات، خاصةً تلك التي لم يتمكن أبناؤها من الحصول على مقاعد في الجامعات المصرية. ومرة أخرى، اضطرت العائلات ممن لديها فتيات في مرحلة الجامعة إلى تسوية أوضاعهم والعودة إلى الخرطوم معًا، لأن إرسال الفتيات بمفردهن ليس خيارًا أبدًا، فيما اضطر أهالي الطلاب الذكور إلى ضخ الأموال لتأمين السكن أو إقامتهم لدى أقاربهم، وفقًا لمصدر من لجنة أولياء الأمور في جامعة الخرطوم.
يقول عمر صلاح الدين، وهو طالب جامعي عاد إلى الخرطوم، لـ«مدى مصر»: «كنت على بُعد أشهر من التخرج في الهندسة عندما بدأت الحرب، ولم أستطع إكمال دراستي في مصر. عندما عدت، كنت أعيش مع زملائي في منزل مدمر، وكنا نحضر المحاضرات في قاعات مهدمة»، ويضيف أن الأوضاع تحسنت بعد أشهر، «لكن ربما لن تعود الخرطوم كما كانت في السابق».
ولعلها الحقيقة.
في يوليو الماضي، شكّل مجلس السيادة الانتقالي لجنة برئاسة مساعد رئيس الأركان وعضو المجلس، إبراهيم جابر، لإعداد الخرطوم لعودة المواطنين واستئناف دورها كمقر للحكومة، لكن هذا الإطار الرسمي -الذي أثار تساؤلات بين موظفي الحكومة حول سبب استيلاء المجلس الذي يقوده الجيش على ما هو من اختصاص الهيئات التنفيذية الاتحادية- كشفت التحركات المبكرة للجنة عن توجه لإعادة الطبقة الوسطى الحضرية وتلبية احتياجاتها.
رئيس لجنة السياسات في حزب الأمة القومي، إمام الحلو، قال لـ«مدى مصر»: «احتكرت اللجنة جميع السلطات، فهي لم تتجاوز حكومة ولاية الخرطوم المعنية بالأمر فحسب، بل سلطات الحكومات الاتحادية أيضًا».
ومع الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها جابر في تخطيط العاصمة وخدماتها، وإقراره بأن الدمار الذي لحق بالبنية التحتية هائل، ويتطلب مبالغ لا تملكها الحكومة، قال إن التركيز انحصر في الوقت الحالي على توفير الخدمات الضرورية فقط. غير أن جهود استعادة هذه الخدمات الضرورية استمرت في إعطاء الأولوية لأحياء الطبقة الوسطى التي فرضت الحكومة على سكانها العودة، فعند رجوع أهالي حي ما، «يشرع المواطنون في توضيح مطالبهم واحتياجاتهم، ما يجعل هناك أولوية لهم في عمليات إيصال الخدمات وبسط الأمن»، يقول مسؤول مكتب والي الخرطوم لـ«مدى مصر»، مضيفًا «زيادة نسبة الملتحقين بالمدارس يساهم في استقرار العملية التعليمية، و[عودة السكان] تمكن الحكومة من فتح المراكز الصحية. وستلاحظون ذلك مثلًا في كرري، وأم درمان القديمة، وبعض أحياء بحري»، يقول المسؤول معددًا أحياء الطبقة الوسطى.
وبينما استمرت أعمال إعادة البناء المنتقاة التي تنفذها لجنة تهيئة الخرطوم بقيادة جابر في خدمة شريحة اجتماعية بعينها، فإن سياساتها دفعت الفئات الأضعف إلى مزيد من الهشاشة، فقد شملت تفويضات اللجنة القضاء على «الظواهر السالبة»، التي تتراوح بين إزالة المساكن العشوائية على أطراف المدينة، وأكشاك وفرش الباعة الجائلين، وفرض قيود تؤثر على عمال اليومية بشكل خاص في المراكز التجارية بالخرطوم.
عضو مكتب تنسيقية لجان مقاومة الخرطوم شرق، راشد عثمان، أوضح في حديثه لـ«مدى مصر» أنه بدلًا من معالجة الأزمة، تشكل هذه الإجراءات «تعقيدًا جديدًا»، مضيفًا أن الحكومة تدعو مواطنيها للعودة دون خلق آليات تسمح لهم بالمشاركة في إدارة شؤونهم، «بل تتخذ مسلكًا يجعلها هي المتحكم في مصير الناس بعد عودتهم».
في الأسواق، وبهدف توفير الأمن للتجار، صدرت تعليمات للإدارات المحلية بإصدار بطاقات للعاملين بالسوق تسمح لهم بالدخول، ما يعني عمليًا أن الحكومة أصبحت تحدد من يُسمح له بالدخول، وتتدخل مباشرة في تنظيم السوق. وبالنسبة للعديد من عمال اليومية الذين يعتمدون على الوصول اليومي إلى الأسواق، فإن هذا يعني المزيد من التحديات، ما يشكل مزيدًا من القيود على كسب رزقهم، وفقًا لما ذكره ثلاثة من عمال اليومية لـ«مدى مصر».
بالتوازي، أشرفت لجنة جابر على حملة إزالة «العشوائيات» في محيط الأسواق وعلى أطراف مدن العاصمة، التي بدأت في منتصف مارس الماضي دون إنذار، حين هدمت الجرافات والآليات الثقيلة منازل في العزبة ببحري، ودمرت محتوياتها، وفقًا لشهادات السكان. وتوسعت الحملة لاحقًا لتشمل مناطق أخرى في العاصمة. ووصفت السلطات المحلية تجمعات سكنية قائمة منذ عقود نتيجة الحروب والكوارث الطبيعية بأنها «تعديات»، مبررة الإزالة بضرورة «إزالة التشوهات البصرية» التي تضر بمظهر المدينة، مع ضرورة استمرار الرقابة «لمنع عودة الظواهر السالبة».
وامتدت الإزالات إلى معسكرات نزوح قديمة تعود إلى صراعات سابقة في السودان. وقد واصلت مبانيها إيواء لاجئين ومهاجرين حتى بعد أن أجبرت الحرب في الخرطوم منظمات إنسانية دولية على الانسحاب. وبحسب مصطفى صلاح، العامل مع إحدى هذه المنظمات، فإن الدولة تعاملت مع هذه المعسكرات لسنوات باعتبارها مصدرًا للإيرادات، فكانت السلطات تؤجّر الأراضي، وتُلزم المنظمات في بعض الحالات بتوظيف عناصر أمن أو مسؤولين محليين، كما كانت تجبرها على شراء احتياجاتها من الأسواق السودانية، بحسب ما قاله صلاح لـ«مدى مصر». اليوم، ورغم عودة بعض الوكالات الدولية، بات عملها موجّهًا في الغالب إلى سكان المدن، وتوقفت الإيرادات التي كانت تضمن اهتمام الدولة، فبادرت الأخيرة إلى استعادة الأراضي.
بدوره، يصف رئيس لجنة السياسات في حزب الأمة القومي السياسات الحالية بأنها «كارثية»، متهمًا الحكومة بنقل المجتمعات قسرًا من أحزمة النزوح في المدن باسم السيطرة الاجتماعية، مع انتهاك حقوقهم وتشديد قبضتها على سبل عيشهم وقدرتهم على التنقل.
بالنسبة لمجتمعات اللاجئين والمهاجرين على الهامش، لم يعد الأمر مقتصرًا على فقدان المأوى، بل فُرضت عليهم رسوم إقامة جديدة وباهظة، إلى جانب رسوم أخرى. وجرى ترحيل أكثر من ألف شخص ممن عجزوا عن السداد من الخرطوم إلى معسكرات خارج الولاية، في إطار حملة بدأت منذ مايو الماضي، لكنها تخضع الآن لإشراف لجنة يقودها المجلس السيادي الانتقالي.
الباحث في الحماية الاجتماعية والاقتصاد غير الرسمي، أحمد علي، يقول لـ«مدى مصر»، إن هذه الإجراءات استندت إلى مبررات أمنية يصعب الاعتراض عليها؛ إذ استعانت «الدعم السريع» بقناصات إثيوبيات، واستخدمت عناصر من جنوب السودان في معاركها بسلاح الإشارة والمدرعات. لكنه يرى أن تحركات الحكومة استغلالية. وهو ما يؤكده جمال*، وهو مهاجر إثيوبي يقيم في السودان منذ سبع سنوات، أُجبر على دفع رسوم ضخمة لتجديد إقامته. يقول إن سياسة الدولة تجاه اللاجئين والمهاجرين حوّلت وجودهم إلى مصدر للإيرادات.
ويضيف علي أن هذا النهج ليس جديدًا، فبعد الثورة، كثيرًا ما لجأت سلطات الخرطوم إلى فرض ما سُمّي «رسوم تسوية»، وهي أعباء مالية يمكن فرضها من دون كلفة سياسية كبيرة. ويشير إلى مثال حين أصدر وزير التجارة في فترة ما بعد سقوط البشير، مدني عباس مدني، حزمة قرارات استهدفت ما وصفه بـ«الوجود الأجنبي»، مستخدمًا لغة شعبوية اقتربت من الدعاية التحريضية لتبرير تلك السياسات. وعلى ذات المنوال، يقول علي، مضت الحكومة الحالية في استهداف المقيمين الأجانب.
بدت هذه العودة إلى ممارسات ما قبل الحرب، بل وما قبل الثورة، واضحة كذلك في حملات الهدم. ويشير علي إلى أنه متى وجدت الحكومة القدرة، تسعى إلى إخضاع الأراضي لسيطرتها، بغضّ النظر عما إذا كانت الحرب دائرة أو ما إذا كان سكان تلك المناطق متهمين بـ«التعاون» مع «الدعم السريع». وعلى مدى عقود، يضيف، دأبت الحكومات المتعاقبة على إزالة المناطق العشوائية، وإعادة تخطيطها، ثم طرح أراضيها للبيع كمخططات سكنية جديدة.
غير أن الأمر لا يقتصر على العودة إلى عادات ما قبل الثورة، بل يتخطاه إلى إحياء مخطط مؤجَّل لإعادة رسم الخرطوم. فوفقًا لمسؤول في لجنة التخطيط العمراني بولاية الخرطوم، فإن الإصلاحات الحضرية للعاصمة لم تكن وليدة الحرب، بل كانت قيد الإعداد منذ 2016، عندما سعت الحكومة إلى تقديم خطة بديلة لوسط الخرطوم كجزء من إصلاحات هيكلية أوسع. ولكن في ذلك الوقت، قوبلت بمعارضة شديدة، كما يقول المسؤول لـ«مدى مصر»، والآن أتاحت الحرب فرصة إجراء «إصلاح بنيوي» للعاصمة، والتي يقول إنها يجب أن تشمل المناطق المركزية والطرفية، ما استلزم حملات الإزالة.
وفي 25 سبتمبر الماضي، ترأس وزير التخطيط العمراني المكلف في الخرطوم اجتماعًا مع مسؤولي الأراضي والتخطيط لمراجعة المسوحات العمرانية للعاصمة. وبحسب مصدر في الوزارة، تأتي هذه الخطوة ضمن حملة أوسع لإعادة صياغة سياسات التخطيط الحضري، بما يتماشى مع رؤية الحكومة لإعادة تشكيل العاصمة. ويهدف المخطط، الذي لا يزال قيد النقاش، إلى إزالة التجمعات العشوائية لإعادة توظيف الأراضي في مشروعات تنموية كبرى، تشمل مناطق صناعية، ومشروعات زراعية، وأحياء سكنية جديدة، وفقًا للمصدر.
«لا يمكن أن تكون الخرطوم كما في السابق»، يقول مسؤول مكتب والي الخرطوم، الذي أكّد كذلك أن الحرب خلقت فرصة لـ«تغيير الثقافة العمرانية والمخطط المركزي للمدينة، وهي عمليات تعود لسنوات سابقة وليست أمرًا جديدًا، كما هو معروف».
شخص يتزلج على كوبري النيل الأبيض في الخرطوم وتظهر آثار الضرر على الكوبري. 2025. المصور: حسن كامل
ولا يقتصر هذا التوجه على الإزالة وإعادة البناء فحسب، ففي إطار إعادة ترسيخ مراكز النفوذ، أصدرت لجنة تهيئة الخرطوم بقيادة المجلس الانتقالي قرارًا بنقل الوزارات والمؤسسات الاتحادية نحو الأحياء الشرقية وسوبا في الجنوب الشرقي، رغم اعتراضات الوزارات التي شككت أصلًا في قرارات تخصيص اللجنة للموارد لجهود الترميم.
ومن خلال قرارات إعادة توزيع المقرات هذه، «تسعى الحكومة إلى خلق قيمة جديدة للأرض، بإضافة قيمة مضافة لبعض المناطق دونًا عن أخرى»، يقول العضو بمكتب تنسيقية لجان مقاومة الخرطوم شرق، موضحًا أن الحكومة «تستثمر في الأزمة»، وتقدم امتيازات من خلال هذه الخطوات، «فمثلًا، لن تنقل المقار الحكومية إلى مناطق طرفية أو مجمعات بالقرب من هذه المناطق، بل تقوم الدولة بنقلها الى أحياء الأراضي والمنازل فيها أصلًا ذات قيمة اقتصادية كبيرة».
وهكذا، انطوى سباق العودة بسرعة على مشروع إعادة توزيع السكان وإعادة رسم جغرافية الحكم والسلطة في الخرطوم، تتوسطه الطبقة الوسطى السودانية، من معلمين وموظفين حكوميين ومهنيين ومزارعين متوسطي الحجم.
على مدار تاريخ السودان الحديث، شكلت هذه الطبقة الوسطى القوة المحركة لبناء الدولة وقيادة التغيير السياسي. إلا أن علاقتها بالجيش اتسمت بدورات من التحالف والقطيعة. خلال حكم عمر البشير الذي استمر ثلاثة عقود، تآكلت الطبقة الوسطى بشكل مطرد بسبب السياسات الاقتصادية النيوليبرالية، وتفكيك الخدمة المدنية، وتسييس مؤسسات الدولة، ومع ذلك، ظلت حاضرة سياسيًا، لتعود بقوة في ثورة 2018 التي أطاحت بالبشير.
أعادت الثورة الطبقة الوسطى كفاعل سياسي معترف به، إلا أن هذه العودة لم تفضِ إلى إحياء تحالفها التاريخي مع الجيش، الذي أثبت استحالته في ظل وجود قوات الدعم السريع، التي نظرت إليها هذه الطبقة باعتبارها خصمًا وتهديدًا، في وقت حاول فيه الجيش فرض «الدعم السريع» ودمجها في المعادلة السياسية الانتقالية في السودان..
وعندما اندلعت الحرب، ألقت الطبقة الوسطى، التي رأت قوات الدعم السريع تُجهِز على أي مكاسب حققتها في الثورة، بثقلها خلف الجيش، وكانت أول من استجاب لدعوة البرهان لـ«الاستنفار» والانضمام إلى صفوف الجيش، لكن الحرب سرعان ما قوضت مؤسسات الدولة ودفعت بشرائح كبيرة من هذه الطبقة إلى الخارج.
«هذه الحرب تُحطم […] الطبقة الوسطى الحضرية ذاتها التي حافظت على تماسك السودان لعقود»، قال المفوض السامي لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيليبو جراندي، في أبريل 2024، مضيفًا، «إذا دُمرت الطبقة الوسطى والمجتمع المدني ونزحا، فماذا سيبقى من البلاد؟ من سيعيد إعمارها؟».
لكن الآن، ومع استعادة موطئ قدم في قلب النخبة الاقتصادية السودانية، تتطلع الدولة إلى إعادة الطبقة الوسطى للخرطوم.
حملة «العودة الطوعية» لم تمنح الجيش فرصة إعادة بناء المدينة فحسب، بل إعادة بناء تحالفه مع الطبقة الوسطى كذلك، كما يقول الخبير الاقتصادي، محمد الناير، لـ«مدى مصر»، الذي يرى أن هذه الشراكة المتجددة هي التي يمكن أن تُشكل النظام السياسي الناشئ -نظام ينهض بعد خمس سنوات من الاضطرابات الاقتصادية والسياسية، ليُحدد مستقبل البلاد.
.
